أخبار عاجلة:

حين تغير المصالح المفاهيم السياسية في المغرب

Résultat de recherche d'images pour "‫الحسان القاضي‬‎"إعداد: الحسان القاضي

شهد المغرب يوم 7 أكتوبر من العام الماضي، تنظيم انتخابات تشريعية أسفرت عن احتلال حزب العدالة و التنمية، ذو المرجعية الإسلامية للمرتبة الأولى من حيث المقاعد المحصل عليها في التمثيل البرلماني، و تماشيا مع الدستور المغربي تم تكليف الأمين العام للحزب بتشكيل الحكومة التي سوف تتولى تسيير شؤون البلاد.

 إلا أنه و بعد مرور أزيد من خمسة أشهر من المشاورات، والتصريحات الصحافية، و الإعلانات المضادة إلى غير ذلك من الكلام الذي لا ينتهي، لم يتم إعلان أية تشكيلة حكومية، بل واجه الحزب مصاعب و مشاكل معرقلة مرتبطة أساسا بالشركاء السياسيين المفترضين في الأحزاب الأخرى. و للتذكير ففترة الخمسة أشهر لم تخل من أزمات سياسية مفتعلة كانت لها تداعياتها الوطنية و الإقليمية و الدولية.

 ومن المعروف أن هذا الوضع، و بعد طول انتظار كان سبب إفشال الأمين العام في مهمة تشكيل الحكومة، مما أدى إلى تكليف شخصية سياسية أخرى من نفس اللون الحزبي، قصد استكمال المسار المنصوص عليه دستوريا، ليتم بعد ذلك الإعلان عن الأحزاب الستة المفترضة لتشكيل الحكومة الجديدة، و هي أحزاب مختلفة في تلونها السياسي، سواء من حيث المبادئ و المنطلقات الإيديولوجية، أو التفاوت في الحجم من حيث المقاعد المحصل عليها في اقتراع 7أكتوبر من عام 2016 ، أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها ضعيفة التمثيل البرلماني بالمقارنة مع نظيراتها، و هي نفسها التي عارضت و عرقلت الأمين العام لحزب العدالة و التنمية في مهمته، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول مفهوم المبادئ السياسية بمعناها العلمي و الإيديولوجي لدى الأحزاب المغربية، مما يفضي في المحصلة إلى التساؤل عن مدى مصداقية الحزب ككيان سياسي من جهة، ومن ناحية أخرى كفاعل من فعاليات المجتمع المدني في المغرب؟ و بالتالي عن مصداقية البرامج الانتخابية المقدمة للأمة المغربية  بوجه عام، و للناخب  بشكل خاص باعتباره المعني المباشر في اللعبة الانتخابية  ؟.

إن الإجابة عن هذه الأسئلة و غيرها يبقى متروكا لتلك الأحزاب، باعتبارها المسئولة عن الوضع السياسي الراهن في المغرب من جهة ، و من ناحية أخرى باعتبارها الجهة الموكول إليها مسؤولية تنمية الوطن اقتصاديا و اجتماعيا، و ذلك بتحقيق تطلعات الأمة المغربية المكفولة كحقوق دستورية، بما فيها من برامج  متعلقة: بالتعليم و الصحة و التشغيل و غيرها من البرامج الاجتماعية ذات الطابع المستعجل و الملح، وهو ما عبرت عنه تلك الأحزاب من خلال برامجها المعلنة نظريا في حملاتها الانتخابية، و المفروض عليها  الالتزام بها وتطبيقها أثناء توليها المناصب  في الحكومة المقبلة.

 ولعل هذا ما يفضي بالتساؤل عما يسمى بالنهج الإصلاحي في المغرب الذي طالما استغل في المنابر الإعلامية من قبل الفاعلين السياسيين قصد استمالة المواطن، و بالتالي إشراكه في اللعبة الانتخابية، مما يعني تحميله نصيبه من المسؤولية السياسية  بشكل  ضمني وغير مباشر عما يعيشه الوطن من ركود و جمود في القطاعات ذات الطابع الاجتماعي؟.

 فإذا كانت المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات الشخصية و الحزبية، فلماذا تم تعطيل تشكيل الحكومة لأزيد من خمسة أشهر منذ الإعلان عن تكليف الأمين العام لحزب العدالة و التنمية بذلك؟، و لماذا هذا التنافس الحاد و المشروط على تولي المناصب الحكومية؟ أليس هذا استخفافا بإرادة الناخبين الذين وضعوا ثقتهم في تلك الأحزاب بوجه خاص؟ و بإرادة الأمة المغربية بكل مكوناتها العرقية، و الفكرية، و السياسية، المتطلعة إلى التغيير كما يعبر عنه الخطاب السياسي بوجه عام؟ ناهيك عما يمثله ذلك من تهميش واضح لإرادة القاعدة المنتسبة للكيانات السياسية الحزبية المختلفة؟.

 إن هذه الأسئلة و غيرها مجتمعة، تدفع بالمتتبع إلى التساؤل، بل وتدعو في نفس الوقت إلى الاستغراب،  عن غياب هذا التنافس الشاذ حول البرامج و المشاريع التي من شأنها النهوض بحال الأمة و الوطن اقتصاديا، و اجتماعيا، و سياسيا، و فكريا، و بالتالي صياغة النموذج الحضاري المغربي المتميز؟.

إن هذه الأسئلة ستظل تفرض نفسها ما دام الواقع السياسي المغربي على حاله، إذ أن أقل توصيف يتماشى معه هو اللحظة الساقطة من تاريخ الوطن بكل ما تحمله الكلمة من معنى، و لعل ما يزكي هذا الطرح هو غياب الحس بالمسؤولية السياسية لدى المكون الحزبي، من خلال السعي وراء المصالح الشخصية و الحزبية الضيقة، و هو ما يجد تفسيره فيما عرفته البلاد من جمود و عرقلة أثناء فترة الخمسة أشهر المنصرمة، و هو ما يعبر عنه أيضا الإعلان الرسمي عن الأحزاب الستة التي سوف تناط بها مهمة تسيير أمور الوطن من خلال  تشكيلها للحكومة المقبلة، خاصة و أنها لا تشكل ائتلافا منسجما سواء في إيديولوجيته السياسية و الفكرية، أو في برامجه التنموية،  و بالتالي فكيف يعقل أن نجمع بين أحزاب تقدمية، ذات منطلق إيديولوجي اشتراكي، و بين حزب يتبنى الفكر السياسي الإسلامي كمنطلق إيديولوجي و سياسي، و آخر ذو منطلقات براغماتية عرقية  إلى غير ذلك من المنطلقات المختلفة؟.

 إن هذا التنافي الأيديولوجي الفكري، والسياسي للأحزاب الستة سيجعلها في موقف التناقض سواء في البرامج  المتبناة، أو في المواقف السياسية تجاه النوازل المحتملة، مما سيؤدي  حتما إلى غياب الانسجام بين المكون الحكومي المقبل، ولعل هذا الأمر يستدعي أيضا التفكير و التساؤل عن الأداء السياسي للحكومة المقبلة في ظل تحديات وطنية و دولية بالغة التعقيد، مما يعني في المحصلة احتمال تعرض المولود الجديد لأزمات سياسية مستقبلية، قد لا تختلف عما كان عليه  الأمر إبان الانسحاب الاستقلالي فيما مضى،  هذا إذا نظرنا إلى هذه المسألة بنظرة فوقية شمولية.

 أما التفسير الضيق و الشاذ، فهو ما تعكسه لنا النظرة الأفقية للتمثيل الحزبي و برامجه عبر التراب الوطني، وهو ما تمثله الحملات الانتخابية خاصة على صعيد الدوائر المختلفة عبر عموم الجماعات الترابية، كما يشخصه مثلا الواقع في الجنوب المغربي على سبيل المثال لا للحصر، بحيث تصبح مفاتيح النجاح في الاقتراع لا تسند إلى معيار البرنامج الانتخابي، أو الانتماء إلى الحزب، أو الكفاءة الشخصية للمرشح، بقدر ما تلخصها مفاهيم مغايرة كالعرق و الانتماء القبلي و غيرها من الأمور،و هو ما ينعكس سلبا على أداء المجالس المنتخبة في تلك الجهات، سواء في التسيير الإداري، من خلال التخبط في القرارات الإدارية جهلا بالقوانين المنظمة، أومن حيث  تدبير المشاريع التنموية، و بالتالي نتساءل مرة أخرى عن مفهوم التنمية في برامج سياسية لا تتلخص مفاتيحها إلا في  القبيلة و العرق أو في الشخص بحد ذاته؟ و هذا ما يفسره التعطيل و الفشل الذي تعرفه  البرامج التنموية في تلك المناطق النائية في الجنوب الشرقي للبلاد على سبيل المثال لا للحصر.

و ختاما و من خلال ما سبق، يمكن القول إن المعطيات التي يوفرها الواقع السياسي الحزبي في المغرب سواء المتعلقة بالإيديولوجية الفكرية و السياسية للأحزاب، أو في برامجها الانتخابية، لا يمكن تلخيص أهدافها السامية إلا في  الظفر بنتائج صناديق الانتخابات، و خير دليل على ذلك ما يعبر عنه اليوم المشهد السياسي من خلال السعي الدءوب وراء مصالح ضيقة لا علاقة لها البتة بالانتماء الإيديولوجي، و لا حتى بالبرامج المعلن عنها نظريا إبان الحملات الانتخابية،  مما يعني بعدها الواضح عن الممارسة الديمقراطية شكلا و مضمونا، و هو ما يعبر عنه بالدليل عدم إشراك القواعد الحزبية في اختيار من سيمثلون الحزب في التشكيلة الحكومية، و ذلك بشكل ديمقراطي و نزيه عن طريق الاقتراع، عبر الدعوة إلى مؤتمرات وطنية لتلك الأحزاب يشارك فيه منتسبيها و هو أضعف الإيمان.

 

 لمراسلة كاتب المقال:

e-mail: chari146@yahoo.fr