أخبار عاجلة:

الإصلاح في المغرب بين الإرادة السياسية و المطالب الشعبية

إعداد: الحسان القاضي

E-mail :chari146@yahoo.fr

إن الباحث سواء في العلوم السياسية، أو الاجتماعية،  أو الاقتصادية، لا يستطيع أن ينفي القاعدة القائلة إن الأزمات الاجتماعية تشكل العقبة الرئيسة أمام الممارسة السياسية في كل بلدان الكون، و من هذا المنطلق فالمغرب لن يكون مستثنى عن باقي بلدان العالم في هذا المضمار.

  ومن المعلوم أن المغرب عرف عبر تاريخه العريق أزمات اجتماعية تولدت نتيجة عوامل اقتصادية سياسية معينة، حسب ظروف كل فترة، وهو ما تمخضت عنه حركات اجتماعية مختلفة الطبائع و النتائج.

 و بناء على هذا المعطى يمكن القول إن ما يعرفه المغرب في هذه الفترة بالذات؛ من حراك اجتماعي و سياسي، ليس بالشيء الغريب العجيب، و لا بالشيء الجديد المفاجئ المرعب، كما يسوق له البعض ممن يجعلون من أنفسهم، أو هيئاتهم السياسية صمام أمان المجتمع المغربي درءا للفتن حسب تصوراتهم، بل هو نتاج سياسات تدبير  قد لا تكون مناسبة لتدبير المرحلة التي وضعت من أجلها لأسباب يمكن أن نجملها في عناصر أربعة:

-أولا:  إما لكونها لم تأخذ بعين الاعتبار كل الظروف الاجتماعية و الاقتصادية المميزة للمجتمع المغربي، و ذلك إما تجاهلا ناتج عن غياب رؤية سياسية واضحة قادرة على استشراف مستقبل أفضل.

– ثانيا:  أو عن قصد بدافع سياسي لصالح أحزاب، أو فئات سياسية معينة، باعتبارهما من التكتلات الضاغطة سياسيا.

– ثالثا: إما لمصالح شخصية ضيقة للفاعلين المؤثرين على الساحة الوطنية  من أصحاب النفوذ المتحكمين في الاقتصاد و السياسة.

يبقي قطاع الصحة و التشغيل من القطاعات الضامنة للاستقرار المستدام في الوطن، و بالتالي فلا بد من إعطائها ما تستحقه من العناية و الاهتمام في البرامج السياسية و الاقتصادية للدولة و وهيئات المجتمع المدني مع ضرورة إشراك القطاع الخاص.

و إذا كانت القطاعات السالفة الذكر تستدعي التدخل العاجل فلا يمكن استثناء قطاعي الصحة و التشغيل، عن المنظومة الإصلاحية المستعجلة التي ينادي بها المواطن المغربي الكادح في دنياه ، و بالتالي فهي من القطاعات الأساسية التي تعاني بدورها من مشاكل جمة تستدعي إرادة سياسية جادة لحلها، و ليس لإدارة مشاكلها بالبحث عن حلول مؤقتة لا تزيد إلا من تفاقم أزماتها، خاصة و أنها من القطاعات الضرورية الضامنة  للاستقرار المستدام في الوطن، و بالتالي فلا بد من إعطائها كل ما تستحقه من عناية و اهتمام، سواء في البرامج السياسية و الاقتصادية التنموية للدولة، أو هيئات المجتمع المدني، أو في البرامج الاستثمارية  للفاعلين الخواص، مما سيقلص من الفوارق الاجتماعية في البنية الطبقية للمجتمع المغربي، خاصة أمام هذا التوجه الجامح نحو الخصخصة التي بدأتها الدولة منذ القرن الماضي، و المتوجة أخيرا بما يمثله الإجراء الذي أعلن عنه بنك المغرب حول تحرير الدرهم، و ما سينتج عنه من تداعيات ستكون آثارها بارزة على الطبقات الدنيا من المجتمع المغربي، التي تعاني أصلا من قدرة شرائية اقل ما يمكن أن يقال عنها أنها هشة و هزيلة.

و ختاما فالمطالب الشعبية التواقة للإصلاح و العيش الكريم ستبقى قائمة تفرضها تحديات المرحلة التي يمر بها الوطن، في انتظار إرادة سياسية جادة قادرة على  صياغة مشروع تنموي نهضوي مغربي، أساسه التواثب الوطنية، وغايته استشراف غد مشرق يلبي حاجيات الوطن و الأمة معا، و ينبذ فيه الإقصاء و التهميش، سواء للمواطن أو الجهات الترابية للمملكة، كما هي عليه حال المناطق الجنوبية الشرقية، – كإقليم طاطا على سبيل المثال لا للحصر-  و يكون فيه لمطالب الشعب موقع في الخطاب و الفعل السياسي ،و يبقى انتظارنا رهينا بالجواب عما إذا كان الفاعل السياسي الوطني يملك من الوسائل الفكرية ما يجعله قادرا على إنتاج برامج سياسية كاملة البناء واضحة المعالم، تمكن من خلق نظام اقتصادي ذو بعد اجتماعي واستشرافي لمستقبل واعد يعد بغد أفضل لطبقات الأمة المغربية بمختلف أطيافها؟.

– رابعا: قد يكون ذلك مفروضا بفعل ضغط  فاعل خارجي، متمثل في القوى الإمبريالية التي لها مصالح ذات صلة باقتصاد البلاد.

الإصلاح ليس مجرد خطاب سياسي إعلامي استهلاكي،  قصد استهواء الشعب، واستجداء صوت الناخبين من  أجل حقيبة وزارية،وإنما هو واجب و مسؤولية قبل أن يكون إرادة يمليها ثقل المسؤولية و الغيرة الوطنية.

فهذه المعطيات الأربعة تقودنا إلى محصلة أساسية لا يمكن  للفاعل السياسي التملص من مسؤولية تبعاتها، ألا و هي أن الإصلاح في هذا الوطن ليس إلا مجرد رهينة الخطاب السياسي لا غير، خاصة إذا ما استحضرنا كل الخطابات السياسية منذ أول حكومة وطنية مغربية إلى يومنا هذا، بحيث لا ينفك سياسيو الأحزاب، ليس فقط بالمناداة بالإصلاح، وإنما  بالتبجح بأن أحزابهم في حد ذاتها صلاح للأمة و الوطن، وهذه ميزة جديدة في حقل الممارسة السياسية بالمغرب،  ضاربين بثوابت الهوية المغربية عرض الحائط [1]، فيربطون بالتالي مصير الوطن و الأمة بمآل أحزابهم في الصناديق الانتخابية، مما يفسر أن الهدف من المناداة بالإصلاح ليس إلا لغرض في نفس يعقوب.

و لعل هذا الطرح هو الذي يدفع بنا إلى التساؤل عن ماهية و مفهوم الإصلاح في المغرب؛ فهل هو مجرد خطاب سياسي إعلامي استهلاكي قصد استهواء الشعب، و استجداء أصوات الكتلة الناخبة، من أجل حقيبة وزارية، أو منصب سفير، إلى غير ذلك الأهداف و المصالح الشخصية و الحزبية الضيقة؟، أم أنه واجب و مسؤولية تمليهما المصالح العليا للبلاد، في سبيل النهوض بحال الوطن و الأمة معا؟، و ربما هذين السؤالين  يستلزم  طرحهما الاستفهام عن كينونة هذا الإصلاح إن كان إرادة تمليها ظروف البلاد؟ أم واجبا يمليه تولي مناصب المسؤولية و تفرضه الغيرة الوطنية؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ستبقى رهينة بالمتغيرات التي يعيشها المجتمع المغربي، في ظل مشهد سياسي تقليدي عليل بعيد عن آليات التغيير، المتمثلة في إشراك المواطن بجد و قناعة في الممارسة السياسية، وبالتالي في صناعة قرارات وطنية بما تحمله الكلمة من معنى، و هذا ما تفسره حالة العزوف الشاذ للمواطن المغربي عامة، والشباب خاصة عن الانخراط  في العمل السياسي بالبلاد، تحت قيادة زعامات حزبية تعتبر تجديد هياكل أحزابها من الخطوط الحمر، بل و لا زالت تؤمن بأن الحزب ملك شخصي لأمينه العام، و ليس لكل المغاربة، و هذا ما يفسره تعاقب نفس الوجوه منذ السبعينيات من القرن الماضي إلى اليوم على مراكز المسؤولية الحكومية.

إن المتتبع للحالة الحالية للمشهد المغربي ، في علاقته الجدلية بين حقليه السياسي و الاجتماعي، سيدرك أنه من الصعب بمكان تصور آفاق مستقبلة واعدة لقطاعات بات إصلاحها من الضروريات الملحة، باعتبارها من الآليات الرئيسة في التنمية التي تنشدها القيادة العليا للبلاد، والتي يعبر عنها التوجه  الجديد في السياسة الاقتصادية للمغرب.

 و إذا كانت هذه هي الفكرة التي يمكن أن يستقيها سواء الباحث، أو المتتبع للمشهد المغربي في علاقته الجدلية بين حقليه السياسي و الاجتماعي، فمن الصعب بمكان تصور آفاق مستقبلية واعدة لقطاعات بات إصلاحها من الضروريات الملحة، باعتبارها من الآليات الرئيسة في التنمية التي تنشدها القيادة العليا للبلاد، و هذا الطرح يفسره انخراط المملكة في مشاريع تنموية كبرى، سواء على الصعيد الوطني أو على الصعيد الإقليمي و الدولي، و التي يمثلها التوجه المغربي نحو إفريقيا، و الشراكة المغربية الخليجية و خاصة مع دولة الإمارات العربية المتحدة.

إن هذا التوجه الجديد  يطرح، و بشكل قوي تحديات وبمعادلات صعبة، أمام الهيئات السياسية الحزبية سواء منها المشاركة في الحكومة، باعتبارها المسئولة عن تنفيذ البرنامج الإصلاحي الذي يتماشى و تحديات المرحلة الجديدة، خاصة في القطاعات الأساسية باعتبارها أساسا التنمية المستدامة، و التي تعاني من مشاكل لا حصر لها و يأتي على  رأسها قطاع التربية و التكوين، و العدل و الإدارة العمومية و قطاعي الصحة و التشغيل و غيرهما  من بقية القطاعات ذات الصبغة الاقتصادية و الاجتماعية.[2]

 فمن المعلوم أن قطاع التعليم بالمغرب يعاني من مشاكل متراكمة و معقدة، نتيجة سياسات  كانت تتبنى مقاربات إما مستوردة على شكل نماذج يتم تطبيقها دون مراعاة للخصوصية و الظرفية الوطنيتين، و إما مبنية على المقاربة الأمنية، و قد زاد من تفاقمها ظهور ظاهرة  ” القطاع الخاص” بكل تجلياتها و انعكاساتها سواء على المستوى الاجتماعي، أو على مستوى القطاع نفسه، مما يطرح عدة تساؤلات حول ناجعة هذا النهج الجديد، خاصة و أن المؤسسات الخاصة أصبحت كالفطر في المدن المغربية، و هذا ما يفسره وجود مدارس خاصة لا تتعدى مساحتها المأتي متر مربع، و يؤمها مئات الأطفال، ويكفي هنا أن نتساءل عن المرافق الصحية لمثل تلك المؤسسات، فما بالك بالتدبير و المنهج المقررة؟،  بل و إن غالبية مالكييها لا علاقة لهم بميدان التعليم، هذا في الوقت الذي تجد فيه جيشا من أصحاب الشواهد، سواء منهم خريجي القطاع العام أو الخاص، يعانون من البطالة و الإقصاء، مما يطرح التساؤل عن مدى مصداقية الشواهد الجامعة المغربية على الصعيد الوطني و الدولي؟، و الغريب في الأمر هو ظهور دعوات تدعوا إلى إدراج الدارجة في برامج التعليم؟.

 و الجدير بالذكر أن الحديث عن قطاع التعليم و مشاكله قد لا يسعه مقال بسيط،  و لا حتى دراسة مستوفية الشروط، و في هذا الصدد لا يفوتنا التساؤل عن حجم الميزانية المخصصة للتعليم والبحث العلمي في الموازنة العامة للدولة؟

إن منظومتي العدل و الإدارة العمومية من أهم القطاعات التي تستدعي إصلاحا شاملا عاجلا يفي بمتطلبات التوجهات الجديدة للدولة، و قطاع الجماعات الترابية قاطرة التنمية المجتمعية و الاقتصادية في المغرب فلما لا يشملها الإصلاح؟

وتعتبر منظومتي العدل والإدارة العمومية، أهم القطاعات التي تستدعي إصلاحا شاملا عاجلا يفي بالمتطلبات الملحة التي يفرضها التوجه الجديد للدولة، المتمثل في  استقطاب الاستثمارات الدولية  الكبرى نحو الوطن من جهة،  و من ناحية أخرى  ليعكسا مستوى تطلعات المواطن المغربي البسيط الباحث دوما عما بات يطلق عليه في الخطاب السياسي ” بإدارة القرب”، و في عرض الحديث عن الإدارة العمومية لا بد أن نلفت النظر إلى ما تعانيه الجماعات الترابية، باعتبارها من الجهات الفاعلة في المشروع التنموي المغربي،  من مشاكل متراكمة سواء من حيث التدبير التنموي  أو التسيير الإداري، و بالتالي لا بد من التساؤل عن موقعها في الإصلاح المنشود؟.

يبقي قطاع الصحة و التشغيل من القطاعات الضامنة للاستقرار المستدام في الوطن، و بالتالي فلا بد من إعطائها ما تستحقه من العناية و الاهتمام في البرامج السياسية و الاقتصادية للدولة و وهيئات المجتمع المدني مع ضرورة إشراك القطاع الخاص.

و هنا يجد المتتبع نفسه ملزما بالتساؤل عن الهدف من وراء إنشاء ما بات يعرف بالجمعية المغربية لرؤساء الجماعات الترابية؟[3]، وفي المقابل أيضا، فإن هذا السؤال بحد ذاته يجر إلى التساؤل عن البدائل المطروحة الكفيلة بالتسيير الجيد للجماعات الترابية بعيدا عن المصالح  السياسية الحزبية و الشخصية، و بالتالي فما المانع لو قامت وزارة الداخلية بإسناد التسيير الإداري، وتدبير الموارد البشرية و المالية لقياد أو باشاوات مكلفين خصيصا بالجماعات الترابية، حسب طبيعة و حجم الجماعة الترابية؟، مع إبقاء المشاريع التنموية لوحدها تحت تصرف المنتدبين، و التي جاؤوا و انتخبوا  أصلا من أجل خلقها و تنفيذها ؟، فمن المعلوم أن الجماعات الترابية هي قاطرة التنمية المجتمعية و الاقتصادية في المغرب.  فلماذا لا يشملها الإصلاح ؟.

و إذا كانت القطاعات السالفة الذكر تستدعي التدخل العاجل فلا يمكن استثناء قطاعي الصحة و التشغيل، عن المنظومة الإصلاحية المستعجلة التي ينادي بها المواطن المغربي الكادح في دنياه ، و بالتالي فهي من القطاعات الأساسية التي تعاني بدورها من مشاكل جمة تستدعي إرادة سياسية جادة لحلها، و ليس لإدارة مشاكلها بالبحث عن حلول مؤقتة لا تزيد إلا من تفاقم أزماتها، خاصة و أنها من القطاعات الضرورية الضامنة  للاستقرار المستدام في الوطن، و بالتالي فلا بد من إعطائها كل ما تستحقه من عناية و اهتمام، سواء في البرامج السياسية و الاقتصادية التنموية للدولة، أو هيئات المجتمع المدني، أو في البرامج الاستثمارية  للفاعلين الخواص، مما سيقلص من الفوارق الاجتماعية في البنية الطبقية للمجتمع المغربي، خاصة أمام هذا التوجه الجامح نحو الخصخصة التي بدأتها الدولة منذ القرن الماضي، و المتوجة أخيرا بما يمثله الإجراء الذي أعلن عنه بنك المغرب حول تحرير الدرهم، و ما سينتج عنه من تداعيات ستكون آثارها بارزة على الطبقات الدنيا من المجتمع المغربي، التي تعاني أصلا من قدرة شرائية اقل ما يمكن أن يقال عنها أنها هشة و هزيلة.

و ختاما فالمطالب الشعبية التواقة للإصلاح و العيش الكريم ستبقى قائمة تفرضها تحديات المرحلة التي يمر بها الوطن، في انتظار إرادة سياسية جادة قادرة على  صياغة مشروع تنموي نهضوي مغربي، أساسه التواثب الوطنية، وغايته استشراف غد مشرق يلبي حاجيات الوطن و الأمة معا، و ينبذ فيه الإقصاء و التهميش، سواء للمواطن أو الجهات الترابية للمملكة، كما هي عليه حال المناطق الجنوبية الشرقية، – كإقليم طاطا على سبيل المثال لا للحصر-  و يكون فيه لمطالب الشعب موقع في الخطاب و الفعل السياسي ،و يبقى انتظارنا رهينا بالجواب عما إذا كان الفاعل السياسي الوطني يملك من الوسائل الفكرية ما يجعله قادرا على إنتاج برامج سياسية كاملة البناء واضحة المعالم، تمكن من خلق نظام اقتصادي ذو بعد اجتماعي واستشرافي لمستقبل واعد يعد بغد أفضل لطبقات الأمة المغربية بمختلف أطيافها؟.

————–

هوامش:       

[1]-   الاستقرار الاجتماعي في المغرب بين تواثب الهوية و الخطاب الحزبي، الحسان القاضي، مقال منشور على : http://www.ueimag.co.vu/2017/01/blog-post_24.html

[2]-الاصلاحات السياسية و الدستورية تضغط على أجندة الطبقة السياسية في المغرب، مقال منشور على : http://www.maghress.com/attajdid/64826 

[3]-  http://www.fec.org.ma/NewAr.aspx?id=26