الطفلة “إديا” الأمازيغية .. ضحية جديدة للإهمال الطبي.. وتكشف واقع الصحة بالمغرب

مرّة جديدة، تدفع الطفولة في المملكة المغربية ثمناً باهظاً نتيجة خطأ أو إهمال طبي، في مستشفى الرشيدية، البعيدة بمسافة 70 كلمتر، وكأن الأمر بات يدخل ضمن يومياتنا سواء كنا كباراً أم صغاراً.

تظهر صورة إديا الطفلة الأمازيغية ذو ثلاث سنوات، مبتسمة كالملائكة ما سبب لـ آلاف المواطنين آلم عبر مواقع التواصل الاجتماعية بعد لقي حتفها، ليس احتفاءً بمناسبة جميلة لا تضاهي في شيء الجمال الملائكي للطفلة، بل حنقا وغضبا على واقع الصحة بتنغير بالجنوب الشرقي للمغرب الغير النافع ، بعد وفاة إديا متأثرة بإصابة تعرّضت لها إثر سقوطها عندما كانت في نزهة مع أسرتها.

إن كان في التشخيص أو حتى في نوعية العلاجات التي تلقتها في إحدى المستشفيات بالراشيدية، بعدما دخلت إليها على قدميها جرّاء إصابتها بكسر في الرأس، على أن تتم معالجتها خلال يومين وتعود إلى منزلها بكامل صحتها، ولكنّ ما حصل كان مؤلماً جداً ومأساوياً بسبب تردي وضع إديا الصحي،متأثرة بإصابة تعرّضت لها إثر سقوطها عندما كانت في نزهة مع أسرتها، أدى إلى تدهور حالتها بشكل لافت وسريع، دون أن تحرّك طبيبة الأطفال، المسؤولة (ج. ع) عن علاج إديا، أي ساكن.

في تفاصيل القضية، أن الضحية إديا  التي لم يتجاوز عمرها الثلاثة سنوات، ابنة تنغير بالجنوب الشرقي للمغرب، سقطت على رأسها يوم السبت الماضي، ممّا أدى إلى إصابتها على مستوى الرأس، قبل أن تلفظ أنفاسها أمس الثلاثاء، وبين السقوط والوفاة تُطرح الكثير من الأسئلة حول مدى استفادة إديا من حقها في العلاج، وحول حقيقة أوضاع مستشفيات الجنوب الشرقي للمغرب، في منطقة كثيرا ما سُميت بالمغرب غير النافع، أو بلغة أقل وطأة: المغرب العميق.

 وقد صرح والد الضحية،لموقع هسبريس الاكتروني  أن الطبيب الذي استقبل الطفلة بالمستشفى الجهوي طمأنه بأن حالتها عادية، وأنها أصيبت بكسر صغير في الجمجمة، ناصحا إياه بنقلها إلى فاس للعلاج، إلّا أن إيديا توفيت ساعة بعد وصولها، كما صرح لموقع اليوم 24 أن طبيبا معالجها أخطأ في التشخيص، ولم يرصد وجود حالة نزيف داخلي.

 كمال هشكار مخرج فيم “تنغير إسرائيل”، صديق إدريس والد الطفلة الراحلة، قال إن الطفلة نُقلت بعد سقوطها إلى مستشفى مدينة تنغير، حيث لم يتم علاجها بسبب عدم وجود آليات العلاج، ومن ذلك جهاز السكانير، ومن ثمة جرى نقلها إلى مستشفى الرشيدية، البعيدة بمسافة 70 كلمتر، لتكتشف الأسرة استمرار النقص في التجهيزات ، ممّا دفعها إلى نقلها إلى مدينة فاس، البعيدة بـ470 كلم، لكن الأوان كان قد فات.

وتابع هشكار، وهو مخرج سينمائي، فيما كتبه على صفحته بفيسبوك، إن منطقة الجنوب الشرفي تستمر في المعاناة من التهميش الاقتصادي، و”أنه من الفضيحة ألّا تتوفر المنطقة على مستشفيات لائقة”، مضيفا أن العلاج “يبقى حقا من الحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور، وأنه من غير العادي أن تتنقل ساكنة وادي تودرا التي يصل عددها إلى مئة ألف نسمة لمئات الكيلومترات لأجل العلاج”، متهما المسؤولين السياسيين باللامبالاة وبعدم مساعدة سكان في وضعية خطر.

وأصدرت شبكة جمعيات تنغير للتنمية و الديمقراطية، بيانا حول الوضع الصحي بالإقليم، قالت فيه إن إديا توفيت “بسبب ما يعرفه الإقليم والجهة من اختلالات في الخدمات الطبية، وإن الأطباء أكدوا إمكانية إنقاذها لو توفرت الشروط الدنيا للتدخلات المستعجلة في مستشفى تنغير أو في الرشيدية، كما أن العائلة اضطرت لنقلها بسيارة لا تصلح حتى لنقل الجثث المتحللة إلى فاس حيث توفيت بسبب نزيف دماغي لم يتمكن أطباء تنغير و الرشيدية من رصده رغم تصويرها بجهاز السكانير”.

وقالت الشبكة إن حالة إديا “ليست حالة عارضة أو استثناء بل أضحت طفولة إقليم تنغير و مواطنوها و مواطناتها يعيشون تهديدا يوميا يمس بالحق في الحياة والعيش في ظروف صحية سليمة”ّ، متحدثة عن ” ضعف التجهيزات الطبية المتوفرة بالإقليم ، بالرغم من بناء مستشفى للقرب بقلعة مكونة يتوفر على أحدث التجهيزات إلا أن ولوج المواطنين و المواطنات إليها يعد محدودا و يضطرون للسفر مئات الكيلومترات من أجل الاستشفاء”.

أما إدارة المستشفى المعنية فقد رفضت الإدلاء بأي حديث، معتبرة أن أهل الضحية يحق لهم وحدهم فقط بالاطلاع على التقارير الطبية التي تتعلّق بابنتهم.

إلا أن  المدير الجهوي لمندوبية الصحة بجهة درعة تافيلات ،عبد الرحيم الشعبي، اشار إلى أن السبب هو أسرة الضحية لم تتخذ قرارا سريعا بنقل الراحلة إلى المستشفى الجهوي بالرشيدية والمستشفى الجامعي بفاس بعد تأكد الطاقم الطبي من خطورة حالتها، متحدثا عن أن التأخر في نقلها دام يومين تقريبا، ممّا كان أحد أسباب الوفاة.

وأضاف إن نظام المستشفيات في المغرب هو نظام متدرج من الدرجة الدنيا إلى درجة عليا، وإن إديا نُقلت إلى مستشفى الإقليمي بتنغير يوم السبت بعد سقوطها، وهناك عاينها طبيب وقال إن حالتها تستدعي نقلها إلى المستشفى الجهوي بالرشيدية، إلّا أن أسرتها لم تنقل الطفلة في ذلك اليوم.

وتابع المسؤول الصحي ذاته، لقد أعادت الأسرة الطفلة إلى مستشفى تنغير، وهناك فحصها طبيب آخر في المستعجلات، وأمر بضرورة نقلها سريعا إلى الرشيدية، حيث جرى استقبالها بالمستشفى في ظروف جيدة، وعاين أربعة أطباء متخصصين حالتها الصحية، كما جرى فحصها بجهاز سكانير، وتبين لهم أن إصابتها تستدعي نقلها إلى المستشفى الجامعي بفاس، وأخذوا لها موعدا يوم الاثنين صباحا، يقول المسؤول.

ويردف الشعبي أن الأسرة طالبت الطاقم الطبي بنتيجة السكانير، وهو ما لم يكن متاحا يوم الأحد، إذ أخبرها الطاقم الطبي أن المستعجل الآن هو نقل الطفلة إلى فاس، خاصة وأن المستشفى وفر لها سيارة إسعاف، بيدَ أن الأسرة لم تتخذ قرار نقل إديا إلّا يوم الاثنين مساءً، ممّا أدى إلى إلغاء الموعد الأول وأخذ موعد جديد هو يوم الثلاثاء، غير أن الأوان قد فات حين نقلها.

وأوضح الشعبي على أن: “التعامل مع حالة هذه الطفلة التي نأسف كثيرا لوفاتها كانت سيحدث في أيّ مستشفى إقليمي بالمغرب، فالحالات الصعبة تُنقل إلى المستشفيات العليا ولا تعالح محليا”، مضيفا أن وزارة الصحة بصدد تزويد المستشفيات الإقليمية بأجهزة سكانير، غير أن المشكل الذي يواجهها، أنها تحتاج كذلك إلى طاقم متخصص في جراحة الدماغ والأعصاب وكذا الإنعاش والتخدير، إذ لا يمكن الاقتصار على التجهزيات دون الموارد البشرية المؤهلة، وفق قوله.

لقد أنشأ صفحة فيس بوك “فضائح قطاع الصحة” مجموعة من الأطباء المغاربة في نهاية كانون الأول/ديسمبر 2014. وكان الغرض منها في الأصل التنديد بكلام وزير الصحة الحسين الوردي الذي قال منذ أيام في تصريح له إن تغيّب الأطباء يساهم كثيرا في تدهور الخدمات في المستشفيات العمومية. فلم يتحمل العاملون في قطاع الصحة هذا الكلام معتبرين أن المشكلة الحقيقية هي انعدام الإمكانيات في المستشفيات.

وسرعان ما أثارت هذه الصفحة على فيس بوك جدلا في المغرب وجعلت وزير الصحة يشكل لجنة تحقيق لمعالجة ما ظهر في هذه الصور من مشكلات. ولم يصدر حتى الآن أي تقرير.

مهدي الطاهري (اسم مستعار) جراح يعمل في أحد المستشفيات العمومية الإقليمية في المغرب.

المستشفى الذي أعمل فيه صيانته سيئة رغم وجود حد أدنى من شروط الصحة والنظافة. عندنا قسمان للجراحة ولكننا اضطررنا لإغلاق واحد في بداية فصل الشتاء بسبب تسرب المياه من السقف عندما هطلت الثلوج. أما القسم الثاني فلم تدهن جدرانه منذ سنوات. وفي قسم الجراحة هناك قاعتان بلا أبواب. إن هذا المستشفى لا يخضع لأي معايير.

إضافة إلى أن قسم الجراحة ليس مجهزا بما يلزم. مثلا نجد قسم جراحة العظام غير مجهز بطاولة للعمليات. لذلك فرغم وجود عدد كاف من الأطباء لا يمكننا العمل أو نكتفي بإجراء عمليات بسيطة لا تتطلب الكثير من الإمكانيات وبتخدير موضعي مثلا.

طاولة للعمليات مكسورة في مستشفى ابن سينا.

بدأت العمل في هذا المستشفى منذ ثلاث سنوات. في السنة الأولى أجريت ست عمليات جراحية بسيطة فقط، فيما كنت أشارك في عشرات العمليات يوميا عندما كنت طبيبا متدربا في فرنسا. أحد زملائي جراح متخصص في الأنف والحنجرة لا يستطيع حتى أن يجري عملية استئصال اللوزتين لمرضاه.

جهاز أكسجين معطل في مستشفى ابن سينا.

“المغاربة الموسرون يتعالجون في المستشفيات الخاصة”

الأطباء عندهم نقص في المهارات المكتسبة عن طريق الممارسة وهذه مشكلة يعاني من عواقبها المرضى. فنجد مثلا أن مرضى الغدة البروستاتية الذين يجب أن يخضعوا لعمليات جراحية تعتبر من العمليات الاعتيادية يضطرون لشراء كل المستلزمات من المسبار إلى الكاميرات الجوفية الصغيرة وغيرها من المعدات التي قد تناهز تكلفتها 400 يورو [هيئة التحرير: أي ضعف الحد الأدنى للأجور في المغرب تقريبا].

وعليهم أن يدفعوا كامل التكلفة في الوقت الذي يفترض أن يجروا الفحوص والعمليات مجانا. والقليل من المرضى يملكون الإمكانيات. ويظل الحصول على الرعاية الصحية عنا مشكلة معقدة للغاية، خصوصا بالنسبة إلى الأفقر حالا. ولذلك فإن المغاربة الموسرين يتعالجون في المستشفيات الخاصة وليس في العمومية.

رضيعان على الأرض في مستشفى المختار السوسي في إقليم تارودانت.

أما المشكلة الرئيسية الأخرى فهي أن المستشفى يكاد لا يكون فيه نظام للتدفئة. هناك تدفئة تعمل بالمازوت ولكنها غير مشغلة، حتى في عز فصل الشتاء إلا عند الزيارات الرسمية. فقد شغلوها مثلا قبل قدوم إحدى اللجان منذ أسابيع في إطار تحقيق فتح إثر نشر صور على صفحة فيس بوك “فضائح قطاع الصحة“. وهناك خمسة أو ستة أجهزة تدفئة في المستشفى وهذا قليل جدا…

وجميع المستشفيات الحكومية تعاني من هذه المشكلات، رغم أن بعض المؤسسات الكبيرة مجهزة أفضل من غيرها. والأسوأ من ذلك، أن وزاة الصحة تتهمنا بأن كل ما يحدث هو بسببنا! إذ يرى المسؤولون أن الأطباء لا يؤدون مهامهم وأنهم فاسدون…

هذا الكلام يغيظنا. صحيح أن هناك فساد ربما بسبب الرواتب الزهيدة. [هيئة التحرير: الصحة العمومية من القطاعات الأكثر تضررا بالفساد في البلد حسب منظمة الشفافية بالمغرب ترانسبارنسي المغرب]. وفي القطاع العمومي يصل دخل الطبيب العام إلى 700 يورو والطبيب الاختصاصي 1100 يورو في بداية المسار المهني. ويصل دخل الطبيب الاختصاصي في نهاية الخدمة إلى 2100 يورو.

 

قطط ترتع في ردهات قسم الولادة والحضانة في المستشفى الجامعي لمدينة الدار البيضاء ويسمع صوت بكاء الرضّع.

“أنوي العمل في القطاع الخاص بعد ثلاث سنوات”

 

“لا يبدو أن الوضع هنا سيتحسن لأن استثمار الدولة يقل شيئا فشيئا. [هيئة التحرير: عام 2012، خصصت نسبة 6% من الناتج الوطني الإجمالي لقطاع الصحة حسب ما ورد عن منظمة الصحة العالمية، أي أدنى نسبة يمكن أن يخصصها بلد ذو دخل متوسط لهذا القطاع كما قالت هذه المنظمة].

وفي 4 شباط/فبراير، تم التصويت على القانون 131-13 الذي يجيز لأي مستثمر خاص – مغربيا كان أم أجنبيا وتجدر الإشارة هنا إلى بلدان الخليج- شراء المستشفيات. [ويرى وزير الصحة أن هذا سيتيح لقطاع الصحة أن يحصل على مزيد من الاستثمار وسيتيح تسوية أوجه التباين بين الجهات والأقاليم. ولكن الأطباء وبعض المنظمات غير الحكومية تحتج على ذلك]. قطاع الصحة يسير أكثر فأكثر نحو الخصخصة مثله مثل قطاع التعليم الذي أصبح متنافرا تنافرا تاما.

ولكل هذه الأسباب أنا أنوي العمل في القطاع الخاص بعد ثلاث سنوات من الآن عند انتهاء عقدي مع الدولة الذي يلزمني بالعمل ثماني سنوات.

إن المشكلات التي تحدث عنها مراقبنا والواردة على صفحة فيس بوك “فضائح قطاع الصحة” ليست جديدة. ففي عام 2011 أطلق الطبيب محمد الزعري الجابري مدونة اسمها بالفرنسية “Mémoires d’un Neurochirurgien schizophrène (مذكرات جراح أعصاب منفصم الشخصية) وكان يقدم فيها شهادة عن ممارسته اليومية لمهنته.

وقد حاولت فرانس24 الاتصال بوزارة الصحة المغربية لسماع ردها على ما جاء في شهادة مراقبنا ولكن لم يصلنا أي جواب وسننشر أي رد يصلنا لاحقا.

المستشفى الجهوي في مدينة الصويرة.

اضف رد