أخبار عاجلة:

ما موقع الجماعات الترابية لإقليم طاطا في منظومتي المراقبة و الإصلاح؟

إعداد: الحسان القاضي E-mail: chari146@yahoo.fr

 الفصل – 2 – شكل الوضع التنموي في إقليم طاطا و جماعاته الترابية، في ظل البرامج الانتخابية لمجالسه المتعاقبة على تسيير و تدبير شأنه العام، موضوع المقالة السالفة في فصلها الأول، و على ضوء ذلك جاء التساؤل عن  مستوى التسيير الإداري للجماعات الترابية لهذا الإقليم، و بالتالي عن مدى نجاعة تدبيرها التنموي؟.

و قبل سرد الدوافع من وراء السؤال لا بد من الإشارة إلى ملاحظتين هامتين:

الأولى:  أن عطف الخاص على العام في هذا النص لم يكن اعتباطا، أو من قبيل الصدفة،  و إنما لغاية التنبيه و التذكير، أن من يفشل في تدبير المقنن المحكم الضوابط، لن يفلح في ابتكار و خلق الجديد المفيد.

الثانية: إن انتظار تفعيل القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية خاصة رقم 111.14 المتعلق بالجهات، ورقم 112.14 الخاص بالعمالات والأقاليم، ورقم 113.14 المنظم  للجماعات، يدفع بنا إلى التساؤل عن توقعات النصوص السالفة، التي ارتقبت دخول أحكام القوانين التنظيمية حيز التنفيذ ابتداء من اليوم الموالي للإعلان الرسمي عن النتائج النهائية للانتخابات المتعلقة بمجالس الجماعات؟.

و بناءا على هذا و ما تقدم في الفصل الأول المشار إليه سلفا،  فلن يكون تحويل بعض المنتخبين للجماعات التي انتدبوا من أجل تنميتها و تسييرها إلى شركة عائلية تقليدية ، تحت حكم التصرف المطلق، بالشيء الجديد الغريب، و لا بالمستثنى المحرم، بل إنه يجد تفسيره في كثير من التصرفات الشاذة الخارجة عن القانون؛ سواء تعلق الأمر بتدبير المشاريع التنموية للجماعات، أو بتسييرها الإداري  كمرفق عمومي له هبته و ضوابطه المحكمة بالقوانين الجاري بها العمل في المملكة، بحيث يكون العبث بالقانون الإداري  من البديهيات،  فمنذ أن  عمدت وزارة الداخلية إلى إصدار مجموعة من النصوص التنظيمية من بينها المنشور رقم :51 بتاريخ:31 دجنبر 2015 الموجه إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم، تطلب منهم بموجبه إخبار رؤساء المجالس بإحداث منصب “المدير العام للمصالح”بالجهات والعمالات والأقاليم ومنصب “مدير المصالح” بالجماعات والمقاطعات، وأنه بإمكانهم تعيين المديرين العامين للمصالح ومديري المصالح ومديري المقاطعات بصفة مؤقتة، مع موافاة مصالح هذه الوزارة بنسخ من قرارات التعيين المؤقت.

و عملا بما جاء به المنشور أسندت إدارة مصالح كثير من بلديات هذا الإقليم النائي لموظفين من غير المتصرفين المؤهلين كالتقنيين و غيرهم [1] ، ممن  يفتقرون لأبسط الشروط لممارسة المهام الملقاة على عاتقهم، ولعل أهمها شرط المؤهل الجامعي المتمثل في شهادة الإجازة في  القانون أو ما يعادلها، مما يعني تغييب شرطي الكفاءة و الاستحقاق  خلافا لمضمون المادة 118 من القانون التنظيمي 112.14. من جهة،  و من ناحية أخرى أعطي فرصة للارتجال والمحسوبية في اتخاذ هكذا قرار من قبل مؤسسة منتخبة غير مؤهلة لا تمتلك مقومات التسيير-حتى لا نقول التدبير- الإداري مما  يعني ضرب مبدأي الكفاءة والاستحقاق عرض الحائط في تعيين مديري المصالح خلافا لمنطوق المادة 118 من القانون التنظيمي السالف ذكره والمتعلق بمجلس العمالة والإقليم.

 و بالتالي فليس من الغريب أن يجد هذا ما يفسره في تلك الحالات الشاذة التي عرفتها بعض الجماعات فيما يتعلق بالعبث بمساطر القانون الإداري سواء تعلق الأمر بتدبير اختصاص المصالح الإدارية للجماعة الترابية أو بالتنقيط و الترقية، و غيرها من التجاوزات التي لا تكاد تنتهي، و هذا على سبيل المثال و ليس للحصر، و هنا نتساءل على الصعيد الإقليمي عن دور السلطات الوصية في تفعيل منشور وزير الداخلية عدد 356 بتاريخ 17 أغسطس 2016، خاصة إذا ما استحضرنا ما تعرفه بعض الجماعات الترابية  في هذا الإقليم من انتقامات واهية من بعض الموظفين غير الموالين  لرؤساء مجالسها ؟[2].

إن هذا الوضع لا  يجد تفسيرا له إلا في قاموس الو لاءات  الانتخابية الضيقة، و هو ما  يتماشى و التوصيف الذي جاء به الخطاب الملكي السامي: ” أما الموظفون العموميون، فالعديد منهم لا يتوفرون على ما يكفي من الكفاءة، ولا على الطموح اللازم ، ولا تحركهم دائما روح المسؤولية.  بل إن منهم من يقضون سوى أوقات معدودة، داخل مقر العمل، ويفضلون الاكتفاء براتب شهري مضمون، على قلته، بدل الجد والاجتهاد والارتقاء الاجتماعي. إن من بين المشاكل التي تعيق تقدم المغرب، هو ضعف الإدارة العمومية، سواء من حيث الحكامة، أو مستوى النجاعة أو جودة الخدمات، التي تقدمها للمواطنين”[3]، ، بل إن سوء التصرف يطال حتى المواطن غير الموالي للرئيس، في حالة ما إذا كان له غرض إداري يقضيه بالجماعة، و بالتالي فسمة الولاء، و العرق و القبيلة   ستظل هي المحدد المميز للمشهد  و الممارسة السياسية في هذه الربوع المنسية.

أما على الصعيد المركزي فالسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو ما المغرى من وراء التحولات التي طرأت على اختصاصات رؤساء المجالس الجهوية والإقليمية وخصوصا تلك المتعلقة بتنفيذ مقررات الميزانية حيث أصبح الرئيس آمرا بالصرف بدل الوالي بالمجلس الجهوي (المادة 209 من القانون 111.14) أو العامل بالمجلس الإقليمي(المادة 194 من القانون 112.14) مع مراعاة المادة 189 من القانون التنظيمي رقم 113.14  والفصل 145 من الدستور؟ مع العلم أن أغلبية المنتدبين على الصعيد الوطني لا يتوفرون على الأهلية القانونية و العلمية حتى تسند إليهم مهمة الأمر بالصرف عوضا عن الولاة و العمال، فهل هذا يتماشى و الإصلاح المنشود؟

 و هنا نعيد طرح السؤال ذاته الذي جاء في مقالة سابقة، عنوانها:” الإصلاح في المغرب بين الإرادة السياسية و المطالب الشعبية”  [4]  حول البدائل المطروحة الكفيلة بالتسيير الجيد للجماعات الترابية بعيدا عن المصالح  السياسية الحزبية و الشخصية،  و بالتالي فما المانع لو قامت وزارة الداخلية بإسناد التسيير الإداري، وتدبير الموارد البشرية و المالية لقياد أو باشاوات مكلفين خصيصا بالجماعات الترابية، حسب طبيعة و حجم الجماعة الترابية؟، مع إبقاء المشاريع التنموية لوحدها تحت تصرف المنتدبين، و التي جاؤوا و انتخبوا من أجل خلقها و تنفيذها، شريطة إخضاعها للمراقبة و التقويم مع مواكبة التنفيذ من قبل السلطات المختصة، فمن المعلوم أن الجماعات الترابية هي قاطرة التنمية المجتمعية و الاقتصادية في المغرب.  فلماذا لا يشملها الإصلاح الإداري و المراقبة؟.

 فإذا كان هذا هو حال التسيير الإداري للجماعات الترابية لهذا الإقليم، فخلق و تدبير مشاريعها و رسم خطط تنميتها لن يكون بأحسن حال، و لعل ما يزكي هذا الطرح هو الأوراش المعطلة المتناثرة عبر النفوذ الترابي لهذا الإقليم، رصدت و صرفت فيها مبالغ مالية مهمة لتصبح اليوم أثرا يناشد مرمما، و لمثل هذا جاء التنبيه صريحا في الخطاب الملكي السامي كان لزاما التذكير بنصه: ” فعندما يقوم مسؤول بتوقيف أو تعطيل مشروع تنموي أو اجتماعي، لحسابات سياسية أو شخصية، فهذا ليس فقط إخلالا بالواجب،وإنما هو خيانة، لأنه يضر بمصالح المواطنين، ويحرمهم من حقوقهم المشروع”، و بالتالي أصبح من الواجب  إذن التساؤل عن الكيفية التي تفوت بها المشاريع العمومية في هذه الربوع النائية، و هل فعلا اتبعت المساطر المنصوص عليها، من إعلان  و تفويت، و إنجاز و تتبع؟ أم أنها خضعت لقوانين و فصول أخرى  لها روابط سياسية و انتخابية؟، وبطبيعة الحال فالجواب عن الأسئلة المرتبطة بمساطر خلق  المشاريع العمومية وتنفيذها لا يملكه إلا الجهات المختصة.

و من المعلوم أن الوعاء العقاري هو أساس كل مشروع تنموي، و في هذا الصدد لا بد من التذكير أن مستقبل تنفيذ المشاريع التنموية العمومية في هذه الرقعة القاصية من الوطن، يبقى رهينا بالوعاء العقاري الذي لا زال يعاني من  تحديات و عراقيل صعبة و معقدة، خاصة إذا تعلق الأمر بأراضي الجموع باعتبارها الوعاء الذي  يستوعب المشاريع التنموية العمومية، خاصة و أنها تعاني اليوم الكثير من المشاكل المعقدة مما يشكل عقدة أمام البرامج التنموية، وبالتالي لابد من التساؤل عن مستقبل المشروع التنموي للجماعات الترابية لإقليم طاطا في ظل غياب الوعاء العقاري لأراضي الجموع؟ [5] و هذا الأمر لابد أن يخصص له موضوع مستقل بذاته.

 و لعل الظاهرة المثيرة للاستغراب هي اقتناء السيارات الجديدة للمجالس المنتخبة، حتى أصبح هذا التوجه في هذه الربوع النائية سنة يتنافس عليها المتنافسون، خاصة و أنها جماعات ضعيفة في مواردها و بنياتها التحتية، فعوض التنافس في خلق المشاريع التنموية و البحث عن حلول ناجعة للمعضلات  التي تعاني منها المنطقة و ساكنتها[6]، جاء هذا التوجه الجديد الغريب ليعصف بما جاء في الحملات الانتخابية من برامج سطرت في ساعتها بماء الذهب، لتصبح اليوم حبرا على ورق تدروه رياح السيارات برائحة  البنزين، فإلى متى ستظل الجماعات الترابية لإقليم طاطا على هذا الحال المخجل و المحزن على السواء؟.

 و ختاما فتدبير الشأن الإداري و التنموي بالجماعات الترابية  لإقليم طاطا، سيبقى مرهونا  بتضافر جهود أبناء الإقليم الغيورين كل في موقعه خدمة لما فيه  الصالح العام بعيدا عن النزعات العرقية و الشخصية والسياسية الحزبية الضيقة من جهة ، و من ناحية بتدخل الفاعلين القائمين على مراقبة التطبيق السليم للقانون سواء في التسيير الإداري أو في تدبير المشاريع العمومية و تنفيذها، تطبيقا  لفصول الدستور المغربي، و ما خطاب العرش إلا المرجعية الأساس لبناء هذا الوطن.

—————————————

هوامش:

1- موظفو بلدية أقا يشتكون من شطط مدير المصالح المؤقت، جريدة ماروك سات: http://www.maroc7.com/6ln

2- فراغ قانوني يحول مدراء بالجماعات الترابية إلى “مُصَرفي مهام، جريدة هسبريس: http://www.hespress.com/societe/333092.html

3- نص الخطاب الملكي السامي ، جريد اليوم24،  https://www.alyaoum24.com/922017.html

4- الإصلاح في المغرب بين الإرادة السياسية و المطالب الشعبية، الحسان القاضي: www.maghrebalaan.com/archives/38366  و

 www.hespress.com/writers/346973.html

5- وزير العدل: الجميع عليه التصدي لـ « مافيا العقار »، محمد فرنان، جريدة فبرايركوم،   https://www.febrayer.com/487786.html

6- حين تغير المصالح المفاهيم السياسية في المغرب، الحسان القاضي، هسبريس و المغرب الآن:  www.hespress.com/writers/346410.html  و  www.maghrebalaan.com/archives/37512

 

 

اضف رد