أخبار عاجلة:

من السبى البابلى لكردستان

فادى عيد الكاتب الصحفي والمحلل السياسى بشوؤن الشرق الاوسط

جاء أهم ما ورد فى وصية السلطان عبد الحميد الثانى وهو يقول على لسانه «بعد اجتماعاتى المتكررة مع تيودور هرتزل (مؤسس الكيان الصهيونى) أكد لى هرتزل أنه سوف يحصل على فلسطين عاجلا أم آجلاً مهما بعد هذا الأجل، بعد أن رفضت رفضا قاطعا على الرغم من تمنيات مستشارى القبول بذلك العرض من أجل تغطية عجز الدولة العثمانية، وفهمت من هرتزل أن بعد حصوله على فلسطين سوف يسعى للانتقام من العراق، بسبب السبى البابلى الذى قام به نبوخذ نصر بسبى اليهود سيرا على الأقدام من فلسطين إلى بغداد، بعد أن دمر نبوخذ نصر مملكتهم بسبب مؤامراتهم الدائمة عليه، وفهمت أيضا من هرتزل انه سوف يسعى إلى تدمير مصر انتقاما من الفراعنة، وسوف يسعى إلى تدمير الأهرام لأنها تشكل رمز الاستبداد الفرعونى بحق اليهود».

انتهت تلك الفقرة وظهرت حقيقة ما بين سطورها فى العقدين الأخيرين، وبالتحديد بداية مع عام 2003م (غزو العراق)، ولو دققنا النظر اليوم لخريطة المنطقة سنجد أن هرتزل الالفية الجديدة بدأ مخططه من حيث ما انتهى من بعد عزل السلطان العثمانى ونفيه، أى بدأ من أسطنبول مجددا لتكون هى الأرض الخصبة التى ينطلق منها نحو الحدود العراقية وباقى دول المنطقة، وهو الأمر الذى بدأ بتصويت أعضاء حزب الأغلبية بالبرلمان التركى حزب العدالة والتنمية عام 2003م، بتأييد غزو الولايات المتحدة للعراق واستخدام جميع مطارات وموانئ تركيا لتسهيل عملية الغزو، قبل الاتفاق مع الحكومة التركية لتأمين جميع عمليات الانزال الجوى للمارينز على الأراضى العراقية القريبة من الحدود التركية بجانب التعامل مع جميع حالات المصابين وإسعافهم.

ولم تكتف الصهيونية العالمية بذلك بل أبرم الناتو والولايات المتحدة وإسرائيل اتفاقات مع تركيا لا أول لها من آخر، تهدف جميعا لتركيع العراق وتدميره التام، بتنفيذ مشروع سدود الغاب الذى يشمل أكثر من 20 سدا، والذى دعمته إسرائيل بقوة واعلنت عزمها الاستثمار فى تلك المنطقة، فيوجد بمشروع الغاب 67 شركة إسرائيلية تعمل منذ عام 1995م، ولم تكتف إسرائيل بذلك بل قامت بشراء أراض على ضفاف نهر مناوغات وبات الدعم موجهة أيضا لإقامة سدود بريجيك، قره قايا، غازى عنتاب، كيبانو، دجله لقطع شريان الحياة على العراق، وهو نفس السلاح الذى يستخدموه ضد مصر، وجاء ذلك نصا فى خطة تركيع مصر باجتماعهم بألمانيا 2014م، عندما طالبوا بسرعة بناء سد النهضة الإثيوبى.

وباجتماع حلف الناتو الموسع فى أسطنبول 2004م عقدت مبادرة «تركيا والشرق الاوسط الجديد»عام 2004م، لتحديد دور تركيا فى الخريطة الجديدة للإقليم، وبعدها جاء تنصيب منظومة الرادارت التى وضعتها امريكا بتركيا والتى قال عنها قائد اسطول القوات البحرية الأمريكية فى البحر المتوسط  أن هذه الرادارت مهمتها ارسال اشارات الاستشعارات المبكرة للبوارج الأمريكية التى تقف فى عرض البحر لحماية إسرائيل، لأن الرادارات التى توجد على البوارج الأمريكية مداها لا يتجاوز 250 كم لكن رادارات على مستوى جبال تركيا تستطيع رصد أى صاروخ يوجه ضد إسرائيل من إيران أو سوريا، وارسال استشعارات للبوارج التى تحمل منظومة صاروخية للدفاع عن إسرائيل».
وكما عول هرتزل كثيرا على بطء فهم السلطان العثمانى بالأمس، كذلك اليوم عول هرتزل الجديد على حكومة حزب العدالة والتنمية بتركيا منذ بدء ترسيم الشرق الاوسط الكبير 2003م (غزو العراق) بعد أن صار الحزب الحاكم فى تركيا، وبعد أن تم تكليف تركيا بدورها الجديد وجاء هذا بلسان أردوغان نفسه عندما تحدث كثيرا فى عامى 2004 و2005 عن دور ديار بكر فى الخريطة الجديدة للاقليم، وكالعادة صار العثمانى الجديد على نهج الغبى القديم، فما يحدث بشمال العراق من انفصال وتمدد الاكراد فى شمال سوريا لم يكن يحدث لولا تدخله  السافر وما قام به من تدمير وتخريب للدولة السورية مع بداية الحرب فى سوريا 2011.
حقيقة الأمر كما تعاقب قطر لفشلها فى تطبيق ما كلفت به فى إطار اعادة ترسيم المنطقة (وليس لدعمها الارهاب، فلولا ذلك لما سمحت واشنطن من البداية لأى دولة أن تتجرأ على قطر، خاصة أنها ليست الوحيدة فى قائمة داعمى وممولى الإرهاب)، اليوم أيضا يعاقب الحاكم الفعلى للولايات المتحدة تركيا.
تركيا التى تمردت وخرجت من حضن العم سام، بعد ان أكتشفت الدور الامريكى فى محاولة انقلاب منتصف 2016، قبل أن تزداد تمردا وتتجه لتسليح دفاعتها الجوية بمنظومات روسية كى تتحول تركيا لسهم روسى فى ظهر حلف الناتو والقارة العجوز، بعد أن كانت خنجرا للناتو فى وجه الاتحاد السوفيتى على مدار العقود السابقة، والقشة التى قصمت ظهر البعير هو التحالف الاستراتيجى والعسكرى الذى تم بين أنقرة وطهران (العدو الأول لإسرائيل).
أما ما يخص ايران العدو الأول لإسرائيل، فمن المعلوم أن إسرائيل أرادت أن تقطع الطريق الطويل الممتد من طهران إلى بيروت، بصنع كيان مماثل لها، فكما وضعت إيران بالأمس حزب الله على حدود إسرائيل، الآن إسرائيل تضع الدولة الكردية على حدود إيران.
وفيما يخص روسيا التى ستسعى الأيام القادمة للانتقام من مقتل كبير مستشاريها العسكريين ومرافقيه بدير الزور على يد عناصر داعشية أو بالأدق على يد واشنطن التى سربت للعناصر الإرهابية مواقع العسكريين الروس (كما ألمحت موسكو نفسها)، فالتوتر بشمال العراق يهدد المصالح النفطية الضخمة التى عقدتها موسكو مؤخرا.
وفيما يخص العراق وسوريا فسيكون لهم الاكراد بمثابة حرب الاستنزاف الجديدة بعد داعش، أى لقد قدمت واشنطن اللاعب الجديد (الاكراد) للملعب بعد خروج لاعب داعش الذى حقق المطلوب منه باستنزاف أكبر قدر ممكن من الجيوش العسكرية، وحرق وتدمير الأرض بمن عليها، والآن جاء دور الدولة الكردية التى تولد على نفس فراش داعش (الجغرافية التى كانت بالأمس لداعش، وكان ينسحب منها دون قتال أمام الاكراد)، ولا نصدق أى تصريحات للخارجية الأمريكية تندد فيها بانفصال كردستان وكذلك اى دولة غربية، فالمسرحية باتت مكشوف كواليسها أكثر من خشبة المسرح نفسه.
الباحث والمحلل السياسى بشئون الشرق الاوسط

اضف رد