أخبار عاجلة:

فتح الله الرمضاني: الديمقراطية الوطنية‎

فتح الله الرمضاني

المتفق عليه، هو أن عملية إحقاق الديمقراطية تواجهها العديد من المآزق، لكن يبقى أكثر المآزق تهديدا لتكريس روح الديمقراطية، وفرض جميع القيم الموجهة لها، هو مأزق العولمة، والذي يربطها بشكل مباشر بالسوق، حيث تصبح الديمقراطية، مجموعة آليات روتينية تتحكم فيها القوى المتحكمة بالسوق.

 ربما يكون هذا الأمر أقل خطورة، لو كان الحديث هنا عن قوى اقتصادية وطنية، لكن الحقيقة، وما يثبته الواقع، هو أنها قوى عالمية  تتحكم في السوق التي جعلتها العولمة، سوقا  عالمية، وبالتالي فإن هذه القوى تتحكم في أشكال و نماذج ومخرجات الديمقراطية في كل دول العالم، حيث تكرس قوة ومكانة دول بعينها، على حساب الدول الأخرى، لتكرس قوة الدول المتقدمة و الغنية و المتحكمة في الاقتصاد العالمي، على حساب الدول النامية و الفقيرة، والوطنية هنا، تفرض التفكير في آليات بناء نموذج ديمقراطي خاص ومحلي.

قد يبدو الأمر مجرد فكرة عابرة، وقد يبدو كذلك تجاوزا للشرط الديمقراطي الذي يفرض استنبات قيم كونية، لكن الواقع يبين أن هذا الشرط، لا يقوي إلا حضور قيم بعينها، و بصورة تغيب فيها  قيم  أخرى، والتي تعتبر روح وغاية الديمقراطية،  كالعدالة الاقتصادية و الاجتماعية مثلا، وما فكرة بناء النموذج الديمقراطي المحلي الوطني ، إلا لأجل احترام وفرض جميع القيم التي توجه أو تستتبع الديمقراطية، أي أنها فكرة أكثر احتراما لهذا الشرط، هذا لكي لا تزيح  الديمقراطية عن الغاية التي أنتجت لأجلها، ولكي لا تصبح وسيلة في يد أصحاب رأس المال، ولكي لا تكون فقط آلية يحمون بها مصالحهم الاقتصادية، وبصورة يتحايلون بها على الجماهير وعلى آمالهم و انتظاراتهم.

ولا سبيل لبناء نموذج ديمقراطي وطني، إلا من خلال تحقيق العدالة الاجتماعية، وبصورة تخالف صورتها المزيفة وغير الواقعية، سواء التي تربط وجودها بملكية الدولة التامة  لوسائل الانتاج ، أو التي تمنع الدولة من هذه الملكية بشكل مطلق، فعدم ابتعاد الدولة و بشكل تام عن الاقتصاد، وحده القادر على ضمان تحقيق الاستقرار الاجتماعي، وهو الشرط الذي لا يمكن أن تتحقق الديمقراطية في صورتها الحقيقية إلا معه، وهو الأمر الذي يناقض مساعي العولمة، التي تدفع في اتجاه إبعاد الدولة عن الحياة الاقتصادية، حتى تصبح حياة تغيب فيها الأهداف الانسانية، لتخضع فقط لمنطق السوق، المؤسس على التنافس، وبشكل مفتقر لتكافؤ الفرص و للمساواة، حتى تكرس استمرارية سطوة أقلية معينة و محددة، وهي السطوة التي تصنع اليوم شكل السلطة.

فالديمقراطية، ليست عمليات رتيبة وفقط، بل هي آليات و قيم وغايات، وهذا ما يجعل إخضاعها لسطوة السوق، ولمنطق السوق، و للمتحكمين في السوق، صورة جامدة، ومجموعة من العمليات الميكانيكية، مخرجاتها لا تهدف إلا لحماية مصالح صانعيها و المتحكمين فيها.

اضف رد