أخبار عاجلة:

النموذج التنموي لإقليم طاطا بين الهشاشة و الترامي على أراضي الجموع

إعداد: الحسان القاضي

شهد المغرب يوم الجمعة 13 أكتوبر 2017 افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية العاشرة، و التي ترأسها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، وجه من خلالها خطابا ساميا للأمة و ممثليها جاء ضمنه ما يلي:

{إننا لا نقوم بالنقد من أجل النقد، ثم نترك الأمور على حالها. وإنما نريد معالجة الأوضاع، وتصحيح الأخطاء، وتقويم الاختلالات.

إننا نؤسس لمقاربة ناجعة، ولمسيرة من نوع جديد. فما نقوم به يدخل في صميم صلاحياتنا الدستورية، وتجسيد لإرادتنا القوية، في المضي قدما في عملية الإصلاح، وإعطاء العبرة لكل من يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام.

وبصفتنا الضامن لدولة القانون، والساهر على احترامه، وأول من يطبقه، فإننا لم نتردد يوما، في محاسبة كل من ثبت في حقه أي تقصير، في القيام بمسؤوليته المهنية أو الوطنية.

ولكن الوضع اليوم، أصبح يفرض المزيد من الصرامة، للقطع مع التهاون والتلاعب بمصالح المواطنين.}

    و بالمناسبة فالخطاب الملكي السامي ركز بشكل كبير على الصعوبات، التي تواجه تطور النموذج التنموي، وعلى الاختلالات، سواء فيما يخص الإدارة، بكل مستوياتها، أو في ما يتعلق بالمجالس المنتخبة والجماعات الترابية. و على ضوء ذلك نتساءل عن موقع النموذج التنموي للجماعات الترابية لإقليم طاطا في ما يشهده الوطن من سياسة تقويمية إصلاحية؟

فأقاليم الجنوب الشرقي  تعتبر من المناطق الأقل استفادة مما يعرفه الوطن من مشاريع تنموية  مقارنة مع نظيراتها في باقي أصقاع المملكة، و بطبيعة الحال فإقليم طاطا جزء من هذه الرقعة الجغرافية ، و بالتالي لا يمكن استثناؤه من التوصيف السالف ذكره.

إن هذا الطرح لا يزكي في المحصلة القول بغياب التنمية في هذا الإقليم، بقدر ما يراد به إثارة الانتباه لضعفها و هشاشتها في ظل تخبط و سوء تدبير، و هو ما تعكسه حالة العديد من المشاريع التنموية المعطلة المترامية على مختلف نفوذ الجماعات الترابية لهذا الإقليم النائي و المنسي، بل و يجسده بعضها إن لم نقل جلها،  بهشاشتها و سوء إنجازها مقارنة مع تكلفتها المالية، و تلك هي حالة الجماعة الترابية لفم الحصن، علي سبيل المثال و ليس للحصر، التي صرفت عليها المليارات من السنتيمات لتظل اليوم أثرا يناشد مرمما.

 إن هذا الوضع يدفع بطرح أكثر من تساؤل حول كيفية الإنجاز و المواكبة التقنية و المراقبة؟، و هو ما يقود بالتالي إلى التساؤل عن طبيعة النموذج التنموي المنشود للجماعات الترابية لهذه الربوع القاصية،  وما مدى مقاربته لحاجيات الإقليم الملحة من بنيات تحتية و مطالب اجتماعية جمة و على رأسها التشغيل و الصحة ؟، في الوقت الذي تعرف فيه الجماعات المجاورة مبادرات تحسب لها، كالتي أقدمت عليها  مؤخرا جماعة التويزكي بإقليم أسا الزاك رغم قلة مواردها و شحها؟.

إن موضوع مواكبة و مراقبة  تنفيذ المشاريع العمومية بهذا الإقليم، سبق التطرق إليه من خلال موضوع مقالة سابقة، نشرت على أكثر من جريدة وطنية ودولية، و كان عنوانها عبارة عن تساؤل حول موقع الجماعات الترابية لإقليم طاطا فيما يعرفه المغرب من سياسية تقويمية إصلاحية قائمة على قاعدة المراقبة و المحاسبة في ظل  الهندسة الجديدة للدولة  المغربية، والتي سطر خطاب العرش معالمها العريضة، و هي السياسة التي أعطت أولى ثمارها مباشرة بعد  الخطاب السامي لافتتاح الدورة التشريعية لشهر أكتوبر المنصرم، و لعل هذا المعطى هو الدافع بالمتتبع للشأن الإقليمي والمحلي بهذا الجزء من الوطن، إلى إعادة طرح السؤال ذاته عن مدى دور السلطات الوصية على الشأن الجماعي، خاصة على الصعيد المركزي ،  في تفعيل ما حمله نص الخطاب  الملكي السامي و ترجمته على أرض الواقع  إنصافا لهذا الإقليم المنسي؟.

فالاختلالات التي يعاني منها النموذج التنموي بهذا الإقليم النائي ليست من قدره، و ليست بالمستحيل الصعب التجاوز، إنما هي محصلة غياب الإرادة و عدم الحس بثقل المسؤولية ، و هو ما نبه إليه الخطاب الملكي السامي على صعيد  الوطن ككل:”إن الاختلالات التي يعاني منها تدبير الشأن العام ليست قدرا محتوما. كما أن تجاوزها ليس أمرا مستحيلا، إذا ما توفرت الإرادة الصادقة وحسن استثمار الوسائل المتاحة.

وهذا الأمر من اختصاصكم، برلمانا وحكومة ومنتخبين. فأنتم مسؤولون أمام الله، وأمام الشعب وأمام الملك عن الوضع الذي تعرفه البلاد.

وأنتم مطالبون بالانخراط في الجهود الوطنية، بكل صدق ومسؤولية، لتغيير هذا الوضع، بعيدا عن أي اعتبارات سياسوية أو حزبية. فالوطن للجميع، ومن حق كل المغاربة أن يستفيدوا من التقدم، ومن ثمار النمو”.

و في إطار الحديث عن الاختلال الذي تعرفه المقاربة الاجتماعية للنموذج التنموي للجماعات الترابية لإقليم طاطا، لا يمكن البتة إغفال ما  تكابده ساكنة الكثير من مداشر الإقليم من جراء غياب و ضعف البنيات التحتية و قلة المرافق  الإدارية و الصحية و التعليمية،  و في هذا الإطار ندرج من بينها، و ليس حصرا، حالة قصبة تمنارت التي لا تبعد عن الطريق الجهوية رقم 102 الرابطة بين جماعة تغجيجت و جماعة فم الحصن إلا بكليومترين أو ثلاثة، و تقطنها ساكنة مهمة و رغم ذلك لم يكلف القائمون على تدبير الشأن العام المحلي و الإقليمي أنفسهم عناء جهد التفكير في ربطها بالطريق الوطنية، فما بالك بمبادرة الإنجاز؟، خاصة و أن القصبة تعرف خلال موسم الولي الصالح سيدي محمد بن  إبراهيم توافدا هائلا للزوار من جميع جهات المملكة، قصد حضور الأنشطة الثقافية والتظاهرات الفنية المواكبة للموسم السالف ذكره، و التي تنظم في قصبة أيت حربيل طيلة أيام تلك المناسبة.

 إن المعطى السالف ذكره يستلزم التذكير بمكانة منطقة تمنارت واستحضار  دورها في ما عرفه المغرب عبر تاريخه التليد من دول و حضارة عريقة، باعتبار دورها في التاريخ الوطني أولا، و باعتبارها مهدا للعلم و الصلحاء ثانيا طيلة عهودها الغابرة، مما يجعلها بامتياز وفخر رافدا مغذيا  للتراث الوطني، و ركيزة للقطاعين الثقافي و السياحي، فلما يطالها الإهمال و الإقصاء بهذا الشكل المخجل؟، و نفس الوضع تعيشه الدواوير المنتمية لجماعة أيت و ابلي و بلدية أقا و غيرها، فالحديث عن معاناتها و هشاشة أوضاعها التي نال منها الإقصاء و التهميش لا تسعه مقالة في فقرات.

و لعل المبكي المضحك في آن،  أن تجد ممن  يدعون الممارسة  السياسية يتبجحون بإنشاء جمعيات ليدرؤوا عنهم المسؤولية فيما آلت إليه الأوضاع التنموية للإقليم من ضعف و هشاشة و سوء حال.

  فالمقاربة الاجتماعية للنموذج  التنموي ليست بخلق جمعيات ذات مرجعية سياسية لخدمة أجندات انتخابية ضيقة ، يتم احتضانها من قبل المجالس و بالتالي يتم ضخ المال العام في حساباتها لتصرف في برامج لا تعود بالنفع سوى على مؤسسيها، و هذا الوضع يدفع بالتساؤل عما إن كانت الجمعيات ملكا عموميا خاضعا للمساءلة و المراقبة،  أم ملكا خاصا موضوع تحت تصرف المطلق؟، و بالتالي فما هو مصير مساهمات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية و كذا مصير مساهمات وكالة تنمية أقاليم الجنوب في العديد من مشاريع الجمعيات بالإقليم؟

 و في المقابل تعاني جمعيات فاعلة ذات برامج اجتماعية و تنموية من إقصاء و تهميش من قبل بعض المجالس المنتخبة، التي تقيس العمل الجمعوي بمعيار الولاء الانتخابي والانتماء الحزبي، و هو ما يعكسه استبعادها و إقصاؤها لتلك الجمعيات من حقها  سواء في الإحسان العمومي، -“(منح المجالس المنتخبة؟ )”- أو من التظاهرات العمومية ذات الصلة بتلك المجالس، و تلك مفسدة للحقلين السياسي والجمعوي على السواء تضاف للسمات المميزة لهذه الربوع المنسية، و تلك سنة قديمة دأب عليها الخلف عن السلف.

فمن المسلم به أن الوعاء العقاري هو أساس قيام أي نموذج تنموي مستدام، و من المعلوم أيضا أن أراضي الجموع و غيرها من العقارات المملوكة للدولة هي الوعاء الوحيد الذي يستوعب المشاريع التنموية العمومية في جميع بقاع المملكة، و بالتالي فالإقليم المترامي الأطراف على مساحة  تقدر بحوالي 25,925 كلم2 كطاطا،  لا يمكن استثناؤه عن هذه القاعدة، مما يعني انه يتوفر على وعاء عقاري لا يستهان به قادر على استيعاب كل مشاريعه العمومية، و هو ما تمثله أراضي الجموع بهذا الجزء من الوطن، و بالتالي فلن يكون التساؤل عن وضعيتها في ظل ما يعرفه الإقليم من ترامي مفرط على عقارات تقدر مساحتها بآلاف الهكتارات بالقول الخارج عن جادة الصواب؟ و ما هي السبل و الطرق المتبعة في ذلك ؟ و ما دور الجماعات السلالية في الحفاظ على ما هي مؤتمنة عليه؟ وما دور السلطات الوصية في حد التجاوزات؟ وغيرها من الأسئلة المتراكمة وتلك هي تفاصيل المقالة المقبلة بالوثيقة و الرقم.

اضف رد