جماعة تمنارت بمجدها التاريخي بين الهشاشة التنموية و الإقصاء السياسي

إعداد: الحسان القاضي

تناولت العديد من المنابر الإعلامية الوطنية على اختلاف ألوانها و توجهاتها و تنوع عناوينها، طيلة الشهور المنصرمة الحراك السلمي الذي عرفته جماعة تمنارت، للمطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية لساكنها و تمكينها من ظروف العيش الكريم، تماشيا مع ما يعرفه الوطن من سياسية تنموية هدفها الرقي بالوطن و تحسين أوضاع الأمة، بمحاربة  الهشاشة و اقتلاع جذور الفقر، و تعميم الرخاء، و تنفيذا لمضمون الدستور المغربي الكافل لكافة حقوق المواطنة لجميع أفراد الأمة المغربية قاطبة.

و على ضوء هذه المعطيات يتساءل المتتبع للشأن المحلي عن المقاربة المتبعة من قبل السلطات المعنية في معالجتها للمطالب الاجتماعية التي رفعتها ساكنة تمنارت في حراكها السلمي ضد التهميش و الإقصاء؟ و ما نصيب تمنارت من البرنامج الجهوي لجهة سوس ماسة، الهادف إلى تقليص الفوارق المجالية  والاجتماعية  بإقليم طاطا، في الفترة الممتدة ما بين 2017-2023 ؟

و لمعالجة الموضوع نعرج على المعطيات التالية:

اولا:  المرجعية الوطنية الإلزامية التنفيذ:

        إن ما لا يدع مجالا للشك و لا يسمح بالتأويل، و لا يقبل المتاجرة السياسية الحزبية؛ هي المصالح العليا للوطن و للأمة،  و التي شكلت الخطب الملكية السامية قاعدتها الأساس، و مرجعيتها الإلزامية الواجبة على كل من يتحملون مسئولية تدبير الشأن التنموي الوطني نيابة عن الأمة المغربية وفق ما يمليه الدستور الوطني، و على هذا الأساس كان التوجيه الملكي السامي  واضحا و صريحا على ضرورة تنمية الوطن بضمان كرامة الأمة، و هو ما عبر عنه الملك محمد السادس نصره الله بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية العاشرة بما نصه:

 {{ إن المغاربة اليوم، يحتاجون للتنمية المتوازنة والمنصفة، التي تضمن الكرامة للجميع وتوفر الدخل وفرص الشغل، وخاصة للشباب، وتساهم في الاطمئنان والاستقرار، والاندماج في الحياة المهنية والعائلية والاجتماعية، التي يطمح إليها كل مواطن.

كما يتطلعون لتعميم التغطية الصحية وتسهيل ولوج الجميع للخدمات الاستشفائية الجيدة في إطار الكرامة الإنسانية.

والمغاربة اليوم، يريدون لأبنائهم تعليما جيدا، لا يقتصر على الكتابة والقراءة فقط ، وإنما يضمن لهم الانخراط في عالم المعرفة والتواصل ، والولوج والاندماج في سوق الشغل ، ويساهم في الارتقاء الفردي والجماعي، بدل تخريج فئات عريضة من المعطلين.

وهم يحتاجون أيضا إلى قضاء منصف وفعال، وإلى إدارة ناجعة، تكون في خدمتهم ، وخدمة الصالح العام، وتحفز على الاستثمار، وتدفع بالتنمية، بعيدا عن كل أشكال الزبونية والرشوة والفساد.}}

و على ضوء هذا نتساءل، ما الذي وفره القائمون على الشأن الإقليمي لطاطا، بمختلف عناوين المسئولية التي يتحملونها، لساكنة الإقليم بشكل عام، وتمنارت على وجه الخصوص و ليس للحصر؟

 ثانيا: المعطى المجالي و السكاني:

        تعد جماعة تمنارت من بين الجماعات الترابية العشرين المكونة لإقليم طاطا، و حسب التصنيف الإداري، فهي جماعة قروية، تم استحداثها إبان التقسيم الإداري لعام 1992م، بعد فصلها عن جماعة فم الحصن، يحدها شمالا جماعة إغيراوفلا التابعة لإقليم تزنيت، وشرقا جماعة أيت وابلي، جنوبا جماعة فم الحصن و غربا جماعة أداي التابعة لإقليم كلميم.

و تبعد تمنارت عن مركز الإقليم -طاطا- بحوالي 160 كلم،  و تقطنها ساكنة  لا تتجاوز السبعة آلف نسمة، أي 6198 نسمة حسب معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لعام 2014م، مكونة لـ 1483أسرة،  تتوزع على 16 مدشرا، وعلى مساحة مجالية تقدر بـحوالي 7632 كلم2 .

 فما موقع هذه الجماعة و ساكنتها مما بات يطلق عيله “بالبرنامج التنموي لإقليم طاطا”، الذي طالما تغنى به المسئولون المنتدبون للمجلس الإقليمي و غيرهم ممن يدبرون الشأن التنموي الإقليمي في كل مناسبة و حين؟

ثالثا: المرجعية التاريخية:

        تلك هي المعطيات المجالية و السكانية لواحة تمنارت، المترامية الأطراف على سفوح جبال باني،  تذكيرا لمن لا يعرفها، أو لفتا لانتباه من يتجاهلونها عن قصد و سبق إصرار و ترصد، ورغم ذلك فالتاريخ أقوى من التهميش  التنموي و الإقصاء السياسي، اللذان لحقا بتلك الربوع من جراء سياسات تنموية عقيمة منذ عقود خلت.

إن القول بالطرح السابق يستلزم التذكير بمكانة  تمنارت التاريخية،  واستحضار  دورها في ما عرفه المغرب عبر تاريخه التليد من دول و حضارة عريقة، باعتبار دورها في التاريخ الوطني أولا، و باعتبارها مهدا للعلم و الصلحاء ثانيا طيلة عهودها الغابرة، مما يجعلها بامتياز وفخر، رافدا مغذيا  للتراث الوطني، و ركيزة للقطاعين الثقافي و السياحي، فلما يطالها الإهمال و الإقصاء بهذا الشكل المخجل؟.

 فالحديث عن المجد التاريخي لواحة تمنارت،  لا تسعه مقالة في سطور، و لا كتاب في صفحات، بل هو قضية تاريخ حضارة و تراث وطنيين، قبل أن يكون  قضية شأن محلي يناشد التنمية، و بالتالي فكيف وصفه و تحليله في سطور أو ضمه بين دفتي كتاب؟.

 فالتذكير بالخلفية التاريخية للمنطقة، و مساهمتها في بناء الحضارة و التراث الوطني، ليس قضية صدفة   و فخر انتماء، وإنما من أجل مقاربتها بالتهميش و الإقصاء السياسيين اللذان طالا المجال و ساكنته لعقود خلت من الزمن، فإلى متى ستظل جماعة تمنارت رهينة الإقصاء السياسي و الهشاشة التنموية؟

رابعا: المعطى المطلبي :

         فمن المعلوم لدى المتتبعين لمسار حراك ساكنة تمنارت، أن خروجها للمطالبة بتحسين أوضاعها المادية لم يكن من قبيل الصدف و العبث، و إنما بدافع الحاجة و المعاناة، اللتان طال أمدهما على المنطقة و ساكنتها لعقود من الدهر، و لعل هذا ما يلمسه المتتبع من خلال  المطالب التي رفعتها ساكنة الجماعة؛  و هي مطالب لا تخرج عن سياق الحقوق الوطنية، التي كفلها الدستور للأمة المغربية أفرادا و جماعات،  بل إنها مطالب موضوعية لا تخرج عن إطار النموذج التنموي المنشود للمنطقة، و فوق كل هذا و ذاك فهي مطالب قابلة للتنفيذ لن تعجز الميزانية الإقليمية ولا المحلية عن تحقيقها، خاصة المرتبطة منها باختصاصات الإدارات، سواء المحلية منها أو الإقليمية، كالزيادة في عدد بطاقات الإنعاش الوطني المخصصة لقيادة تمنارت، و إنشاء خزانة جماعية على سبيل المثال و ليس حصرا، و جملة الوصف أنها مطالب اجتماعية بسيطة لجماعة ترابية نائية منسية.

ومن خلال الملف المطلبي الذي توصل به منتدى افوس للديمقراطية و حقوق الإنسان، قصد المؤازرة و المساندة، فمطالب السكان تشمل مجالات حيوية لها علاقة بالحياة اليومية للمواطن؛  كالتعمير حيث طالب المحتجون بتبسيط المساطر المعمول بها في هذا الصدد، نظرا لضعف الظروف المادية لساكنة المنطقة، أما على مستوى القطاع الصحي، فجماعة تمنارت لا تتوفر سوى على مركز صحي وحيد دون طبيب، ويفتقد للتجهيزات الطبية اللازمة لتلبية حاجيات السكان، و يوازي ذلك انعدام مصلحة بيطرية قصد مراقبة جودة المنتجات و السلع ذات الصلة بالمصلحة.

  و يعتبر قطاع التعليم من بين المطالب الملحة خاصة في جانب توفير النقل المدرسي للتلاميذ، وإذنيات النقل بالنسبة للطلبة الجامعيين، و ضرورة تجهيز مختبر الثانوية الإعدادية بالمعدات اللازمة، أما بالنسبة لقطاع الماء و الكهرباء، فالمطالب لا تتعدى المطالبة بتوفير مكتب استخلاص الفواتير، ومعالجة الأعطاب التقنية التي تتعرض لها الشبكة باستمرار، مع تخفيض الرسوم على الاستهلاك،  و فيما يخص التشغيل و التكوين المهني، فدعت الساكنة إلى تشغيل أبنائها من حملة الشواهد، كما تطالب بإنشاء مركز للتكوين المهني، و دور للنسوة بكل مداشر الجماعة، مع توفير مركب سوسيو ثقافي، و خزانة  لشباب المنطقة، أما على المستوى البيئي فالجماعة تفتقر لمطرح لمعالجة النفايات المنزلية حفاظا على بيئة و سلامة المحيط الجماعي، فما الذي وفره القائمون على تدبير الميزانية الإقليمية و الجهوية لجماعة تمنارت النائية الموارد  من أرصدة لإنجاز مطالب ساكنتها؟

فهذه المطالب لا يمكن إخراجها عن سياق ما تشهده المملكة برمتها من حراك تنموي، هدفه  بناء وطن زاهرو تلبية حاجيات سكانه، استشرافا لغد أفضل، و هو ما فتئت الخطب الملكية السامية تؤكده و توجه إليه  المسئولين قصد تضافر جهودهم في خدمة مصالح  الأمة و الوطن، كما جاء نصا في الخطاب  السامي بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لعيد العرش :{{ المناطق التي تفتقر لمعظم المرافق والخدمات الصحية والتعليمية والثقافية، ولفرص الشغل، تطرح صعوبات أكبر، وتحتاج إلى المزيد من تضافر الجهود، لتدارك التأخير والخصاص، لإلحاقها بركب التنمية}}

و في السياق نفسه لا نرى مانعا في التذكير بحالة أحد مداشر الجماعة، المتمثل في قصبة أيت حربيل،  التي لا تبعد عن الطريق الجهوية رقم 102، الرابطة بين جماعة تغجيجت و جماعة فم الحصن، إلا بكليومترين أو ثلاثة، و تقطنها ساكنة مهمة و رغم ذلك لم يكلف القائمون على تدبير الشأن العام المحلي و الإقليمي أنفسهم عناء جهد التفكير في ربطها بالطريق الوطنية، فما بالك بمبادرة الإنجاز؟، خاصة و أن القصبة تعرف خلال موسم الولي الصالح سيدي محمد بن  إبراهيم توافدا هائلا للزوار من جميع جهات المملكة، قصد حضور الأنشطة الثقافية والتظاهرات الفنية المواكبة للموسم السالف ذكره، و التي تنظم في القصبة طيلة أيام تلك المناسبة، إن السؤال المطروح في هذا الصدد هل هذه المطالب مطالب مشروعة و حقوق مكفولة من قبل الدستور المغربي؟ أم هي مطالب يعاقب عليها القانون باعتبارها جنحا و مخالفات؟.

 و في هذا الصدد ما نصيب الجماعة الترابية لتمنارت من البرنامج الجهوي المخصص لتقليص الفوارق المجالية و الإجتماعية بإقليم طاطا الذي خصص للطرق و المسالك75%  من مجموع مبلغه الإجمالي المقدر ب 547.09 مليون درهم؟.

وإذا كان خطاب العرش المجيد قد أكد :{{ إن العامل والقائد، والمدير والموظف، والمسؤول الجماعي وغيرهم، مطالبون بالعمل، كأطر القطاع الخاص أو أكثر، وبروح المسؤولية وبطريقة تشرف الإدارة، وتعطي نتائج ملموسة، لأنهم مؤتمنون على مصالح الناس.}}، فبناءا عليه، و تماشيا مع الحقوق المضمونة دستوريا، ومع الأهداف المسطرة في قانونه الأساسي،  وبعد أن تلقى منتدى افوس للديمقراطية و حقوق الإنسان، مراسلة من المحتجين قصد المؤازرة و المساندة ، وجه على الفور خطابا كتابيا للسلطة المحلية لتمنارت قصد عقد لقاء تواصلي، إلا أن المنتدى فوجئ بالرفض المطلق من قبل السلطات المعنية، و هو ما دفع به إلى إصدار بلاغ صحافي في النازلة،  يعبر فيه عن استغرابه و استنكاره لمثل هكذا إجراء دون سند قانوني، خاصة و أن الخطاب   الملكي السامي بمناسبة عيد العرش المجيد كان صريحا وواضحا في هذا الشان: {{والواجب يقتضي أن يتلقى المواطنون أجوبة مقنعة، وفي آجال معقولة، عن تساؤلاتهم وشكاياتهم، مع ضرورة شرح الأسباب وتبرير القرارات، ولو بالرفض، الذي لا ينبغي أن يكون دون سند قانوني، وإنما لأنه مخالف للقانون، أو لأنه يجب على المواطن استكمال المساطر الجاري بها العمل}}.

 فإذا أقفلت أبواب الحوار أمام جمعيات المجتمع المدني فإلى من ستوجه المواطن بطلباته ؟

 و ختاما، فأول ما يجب الحث عليه هو:

– أولا: إن التطبيق و التنزيل الفوري لمقتضيات الفقرة الثانية، من الفصل الأول من الدستور، التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة،  يبقى هو الجواب الأمل لساكنة طاطا عموما، و تمنارت خصوصا، و غيرها من مداشر هذا الإقليم النائي المنسي، على كل ما سبق طرحه من إشكالات.

– ثانيا: إن إنجاز مشاريع تنموية قادرة على تلبية حاجيات الساكنة و مواكبة نموها و تطورها، خاضعة للمراقبة في انجازها و مقيدة بآجال محددة في تنفيذها، و ذات قيمة مضافة للمنطقة و ساكنتها،  سيبقى حلا مستداما لكل المعضلات الاقتصادية الاجتماعية التي يعاني منها المجال و ساكنته، و ليس كما هو الحال في بعض المشاريع الخالية من النفع و الجدوى، كما هو الحال في نفوذ الجماعة الترابية لفم الحصن، التي أضحت جل مشاريعها  التنموية معطلة، و بعضها دون فائدة تنموية، و لا قيمة جمالية لها، فماذا سيستفيد المواطن ،مثلا و ليس حصرا، من كتلة إسمنتية تصب عليها المياه صبحا و عشيا، و كأنها ألعاب الصبى؟.

 فالمنطقة تحتاج إلى مشاريع تنموية قادرة على استيعاب، و تلبية حاجياتها المتزايدة من تعليم و صحة و طرق و تشغيل و غيرها، فغياب وانعدام رؤية تنموية استشرافية لمستقبل أفضل لهذه المناطق و ساكنتها هي آفة  حرمانها و تعطلها.

 و لعل ما يؤسف له في هذا الوطن السعيد، هو أن تجد من يحب أن يسمي نفسه  بالسياسي  و المناضل، هو نفسه من أفسد الوضع الاجتماعي و الاقتصادي  بفعل سياساته العقيمة، ذات الحسابات الشخصية و الحزبية و العرقية القبلية الضيقة، فانتح جيشا من الفقراء ببرامج فاشلة، ضاعت فيها أموال الأمة و آمالها، و تأذى منها الوطن، و بالتالي فلن نستغرب من أولئك استغلال مطالب الفئات المغلوبة على أمرها في هذه الرقعة النائية لصالح أجندات حزبية ضيقة، هدفها الرئيس صناديق الظفر بصوتها يوم الاستحقاق، و جعلها قاعدة حزبية في مناطق أفقرتها الطبيعة قبل أن يزيدها السياسي بعقم رؤاه  التنموية الفاشلة.

اضف رد