لحسن حداد: المثقف المغربي وصدمة الحداثة

Résultat de recherche d'images pour "‫لحسن حداد‬‎"

بقلم : لحسن حداد

سؤال الحداثة سؤال أرق أجيالا من المثقفين المغاربة والعرب. وسؤال الحداثة دائما إلى نقاش إيديولوجي في المنطقة العربية يرتبط بالثقافة التقليدية المحافظة وأدوارها، وتأثير الثقافات الأخرى، خصوصا الأوربية منها، على السلوك الاجتماعي وعلى المنظومة الفكرية. لهذا بقي خطاب الحداثة في الوطن سطحيا ومتأخرا على القضايا العميقة التي تطرحها هذه المقولة. بل إنه خلق شرخا وسط النخبة بين معارض ومؤيد، وهو صراع كنهه الصراع الإيديولوجي بين قوى محافظة تأمل إعطاء حمولة تقليدية تراثية للواقع وقوى شبه ليبرالية مناصرة للتحول الاجتماعي في ظل التفاعل مع تطورات يعرفها العالم وخصوصا الغرب.

يمكن تعريف الحداثة على أنها تلك الحركية التي عرفها العالم (بقيادة الدول الغربية) في القرون الأخيرة والتي أدت إلى نفض غبار الفيودالية وتواري أنماط الإنتاج الزراعية وصعود الحركات البورجوازية، وعملية التصنيع التي رافقت الثورتين الصناعيتين الاوليين (ظهور المحرك البخاري واختراع الكهرباء)، وحركة التمدن وظهور فضاءات المدن الحديثة، وتحديث الاقتصاد والإدارة وتنظيم العمل والإنتاج على أسس علمية، وتنامي دور الرأي العام بفضل تطور الكتابة والنشر والصحافة والقراءة؛ أضف هذا أفول دور المقدس في حياة الناس وظهور سلوكات سوسيولوجية معلمنة؛ كل هذا أتى في ظل تحولات سياسية عميقة قوت عود الديمقراطية والحركات الاحتجاجية ودور المثقفين والعمال والنقابات والأحزاب. تأثير كل هذا المجتمع كان عميقا، حيث نمت ثقافة جديدة مبنية على الفردانية والاستهلاك والعائلة الصغيرة والإيمان القوي بالعلم ودور الإنسان في العالم والطبيعة، وتطور الاهتمام بالجسد والذات واللباس والطعام وغيرها.

هذه الثورة الصامتة والحساسية الثقافية المتجددة رافقت الحركة الاستعمارية في القرنين التاسع عشر والعشرين. حمل الفرنسيون والإنجليز وغيرهم إلى المستعمرات طرقا جديدة في الحياة والعمل والاقتصاد والثقافة والمعاملات اليومية وحتى الحرب. وبنوا المدن الجديدة والمدارس والمعامل والإدارة واستعملوا مناهج حديثة في التدبير والتسيير وكتبوا الكتب والمقالات ونشروا أفكارا جديدة وطرقا مبتكرة. كما أنهم خلقوا بعض الإعجاب لدى الساكنة بسلوكهم “العقلاني” و”المتحضر” (رغم شراسة قمعهم للوطنيين والمعارضين للاستعمار). بل هناك من الشباب المصري والتونسي والمغربي من قلدهم في الملبس والسلوك الاجتماعي.

هذا ما أدى إلى طرح السؤال الذي كان رواد النهضة من أمثال محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي يطرحونه منذ عقود: ما السبب في تطور الغرب وتقدمه وتأخر بلاد الإسلام وتخلفها. بل إن عمق السؤال كان هو كيف التعامل مع زخم الحداثة وقوتها وجاذبيتها في ظل وجود ثقافة تقليدية متجذرة وسديمية غرفت على مر العصور من تفسيرات محافظة للدين ونظريات للمجتمع مغرقة في التقليدانية؟ الصدمة كانت نتيجة تباين المرجعيات والقيم والرؤى وطرق التنظيم والتدبير، في ظل تفوق تكنولوجي وثقافي وعسكري واقتصادي للدول الغربية بالمقارنة مع دول الجنوب وخصوصا الدول الإسلامية. صدمة سياسية، أخلاقية، ثقافية، ومجتمعية لا زلنا نعيش آثارها إلى حد الآن.

جل المثقفين كانوا في موقف دفاعي دفعهم إما للبحث عن حلول للصدمة أو تفسيرات لها أو تبريرات للتخلف أو وصفات للخروج منها

كيف تعامل المثقفون المغاربة مع “صدمة الحداثة؟”. سأركز على فترة ما بعد الاستقلال لأن الجيل المخضرم والجيل الذي تبعه هما من يجسد أكثر هذا الصراع القوي. الفكرة الأساسية التي أحللها في هذا الشأن هو أن جل المثقفين كانوا في موقف دفاعي دفعهم إما للبحث عن حلول للصدمة أو تفسيرات لها أو تبريرات للتخلف أو وصفات للخروج منها. قليل جدا من دخل معترك صراع الأفكار وحاول تفكيك خطاب الحداثة في علاقته مع واقع دول الجنوب في إطار تفاعل مع ما تقدمه الحداثة من قيم وأفكار وفي إطار مشروع مجتمعي يقدم بدائل ويساهم في مشروع الحداثة بنفسه دون السقوط في ثنائية “نحن والغرب.” هذا ما فعله الهنود والصينيون والأمريكيون اللاتينيون وغيرهم. بقي المثقفون العرب والمسلمون ومعهم المجتمعات العربية الإسلامية حبيسة نظرة مانوية للآخر والذات لم نتجاوزها بعد حتى في وقتنا الحاضر.

جرد تحليلي للإنتاجات الفكرية والنقدية يعطينا فكرة عن كيف واجه المثقفون المغاربة صدمة الحداثة وما هي المقاربات التي اعتمدوها إما لتجاوزها أو التفاعل معها أو تمنيع الذات لتكون قادرة على ركوب غمار المعاصرة دون الحداثة. هذه الآليات الفكرية يمكن تلخيصها في وصفة السلفية، واستنطاق التراث، والمنهج التاريخاني، وتفكيك ذكورية النص الفقهي، ومعيرة المخزون الثقافي، وأخيرا مقاصدية النصوص الدينية. المشترك في هذه المقاربات هو نوع من الخوف على الهوية (المتخيلة والمفترضة في جلها) ومحاولة إبداع سبل فكرية وخطابية ومنهجية لتحصين الذات الجماعية في مواجهة هجوم الحداثة.

السلفيون حاولوا استقصاء مقاربات سياسية وأخلاقية واجتماعية في نهج الفقهاء والعلماء والساسة في القرون الوسطى وحتى قبلها من أجل التأسيس لممارسات خاصة، أكثر ارتباطا بالذات الجماعية، تميز المجتمع في ذاكرته وفي تاريخه عن نسق الحداثة الغربي. لهذا فعملية استلهام تجارب من سبقوا هو من أجل إعادة بناء الوطن والأمة على أسس ذاتية وهذا ما سيساهم في تمنيعهما من أي تأثير خارجي. لهذا اهتمت السلفية بقضايا الوطن كما أن الوطنيين المحافظين اقتبسوا منهج السلفيين للتأسيس الأركيولوجي لتاريخ الوطن حتى قبل وجوده. السلفيون لهم نظرية غائية للتاريخ، أي أن الكل يصب في الهوية الوطنية منذ البدايات، لهذا وجب فقط مساءلة أفعال السلف لتحصين الذات والهوية والوطن من شوائب الحداثة.

التراثيون ليسوا بعيدين عن السلفيين. ولكنهم ينقسمون إلى قسمين: من اتبعوا خطوات حسين مروة ومحمود أمين العالم وغيرهم وحاولوا إسقاط نزعات مادية أو عقلانية أو أنوارية على التراث؛ ومن حاولوا تحليل العقل العربي (الجابري) أو الإسلامي (أركون) لفهم مكوناته وإعادة تركيبها لمواجهة الحداثة. بالنسبة للصنف الأول فالحداثة في المغرب والدول الإسلامية سوف لن تبدأ من عدم مادام أبو ذر الغفاري والقرامطة وابن رشد وغيرهم دشنوا لممارسات اختبرت قدرة البيئة العربية الإسلامية على استيعاب فكر متقدم. القابلية للحداثة هي الهدف من استنطاق التراث حول خباياه التي هي متقدمة على عصره. الموقف دفاعي صرف ولكنه كذلك محاولة غير موفقة لطرح بدائل لما يطرحه منظري التقليد الذين يعيدون انتاج فكر الغزالي (منظر الانحطاط حسب الخطيبي) وابن تيمية وغيرهم.

يقول الجابري، منظر العقل العربي، “إن نقد العقل جزء أساسي وأولي من كل مشروع للنهضة ، ولكن نهضتنا العربية الحديثة جرت فيها الأمور على غير هذا المجرى، ولعل ذلك من أهم عوامل تعثرها المستمر إلى الآن. وهل يمكن بناء نهضة بغير عقل ناهض، عقل لم يقم بمراجعة شاملة لألياته ومفاهيمه وتصوراته؟” لمواجهة الحداثة علينا، حسب الجابري، أن نفكك ونعيد تركيب العقل العربي ببيانه (الفقه واللغة)، وعرفانه (التصوف والعلوم الباطنية)، وبرهانه (علوم العقل من منطق وغيرها). ما يبقى غامضا في فكر الجابري هو كيف لنا أن ننتقل من نقد العقل العربي إلى نهضة مجتمعية وسياسية وتكنولوجية عارمة؟ هل إعادة بناء البيان والعرفان والبرهان كاف لتحقيق الثقة في الذات والانطلاق نحو المستقبل؟

الكثير ممن يحاولون الرجوع للتراث ينطلقون من فرضية غير مؤكد من صحتها تاريخيا مفادها أن أوربا عرفت نهضة اقتصادية كبرى لأنها فهمت واستوعبت واستعملت التراث الإغريقي والروماني لتحقيق النهضة الاقتصادية والعلمية والثقافية. هذا الأمر هو غير متأكد منه بشكل تاريخي وعلمي وإن كان واردا فليس هو العامل الأكبر في تطور أوربا ونهضتها. نهضة أوربا تعود إلى تنافسية دولها من أجل اكتشاف وغزو مناطق جديدة، وتطور الصناعة المرتبطة بالملاحة والتجارة، وظهور المدن القوية على المستوى التجاري، وظهور بورجوازية راكمت رساميل أعطتها قوة كبرى، والثورة الصناعية، وظهور حركات الإصلاح الديني والفلسفات الإنسية التي تضع الإنسان في قلب المعادلة الفكرية والسياسية والمجتمعية. التراث الإغريقي والروماني لعب دورا ولكنه ليس بتلك الدرجة التي يقول بها الجابري والتراثيون المغاربة والعرب. تفكيك وإعادة تركيب التراث هي شطحات خطابية ليس إلا، وهروب من الحداثة، بل ومحاولة يائسة لخلق حداثة ذاتية منسوجة من شتات علوم البيان والنحو والفقه والتصوف والفلسفة. بناء خطابي لمتخيل كاد أن يكون، لحلم كاد أن يكتب له أن يولد.

عبد الله العروي، القائل بالمنهج التاريخاني، حاول في “الإيديولوجيا العربية المعاصرة” استقصاء القواسم المشتركة لكل الأيديولوجيات العربية في علاقتها مع الغرب (كما سماها رايموند جاموس في قراءته للكتاب سنة 1967). ردا على الإمبريالية والتفوق الاقتصادي للغرب كان للإيديولوجية العربية، حسب العروي، ردود متباينة، متعاقبة أو متزامنة، سواء كان الأمر يتعلق بالفقية، أو الليبرالي أو محب التكنولوجيا. الفقيه كان يرى الإسلام متفوقا على المسيحية حتى على مستوى القيم، والليبرالي يرجع التخلف إلى قرون من التسلط العثماني ويدعو إلى تبني الديمقراطية، بينما يرى محب التكنولوجيا أن قوة الغرب هي في العلوم التطبيقية والعمل والحلول العملية.

ولكن العروي يرى أن النماذج التي يعتمدها محمد عبده ولطفي السيد وسلامة موسى (الفقيه والليبرالي ومحب التقنيات) هي نماذج ترجع إلى مراحل تاريخية في تطور الغرب وليس إلى واقعها الحالي. ما الحل اذا؟ الحل في نظر العروي، ليس في الهروب إلى الماضي ولكن في القبول بالحداثة و”التغريب” والعمل على تصنيع مكثف للدول العربية لمطابقة الوعي بالواقع (قراءة جاموس، 1967). المشكل في تحليل العروي هو أنه يرى في العالم العربي والايديولوجية العربية شيئا واحدا ومتراصا، كما أنه لا يحث على نقد الحداثة قبل اعتمادها ولا يبين كيف أن التصنيع هو الذي سيردم الهوة بين العرب والحداثة. لهذا جاءت قراءته (التاريخانية كما سماها من بعد) وكأنها استسلام للحداثة وانتظار للنهضة الاقتصادية العربية لتجاوز الوعي الشقي الناتج عن هذا الاستسلام.

فاطمة المرنيسي كذلك تبنت الحداثة ولكن دون نقدها ودون تفكيك خطاباتها. بل ما كان يهمها هو استعمال المناهج السوسيولوجية والسيميولوجية لنقد الخطاب الذكوري العربي والإسلامي المتحجج بحجج الدين على أنه خطاب وضع لأغراض إيديولوجية وثقافية ملتصقة بفترات معينة من تطور الامبراطورية العربية الإسلامية ولا علاقة له لا بحرف ولا بروح النصوص الدينية. دور الناقدة النسائية هو نوع من الغربلة لتبرئة كنه الدين من تفسيرات الفقهاء الذكورية والأبيسية. لهذا فاعتماد الحداثة لدى المرنيسي هو استعمال لها لتفكيك النص الثيولوجي ولكن دون نقد للقيم التي تنادي بها الحداثة فيما يخص المرأة والثقافة الأبيسية. هذا الإيمان بالحداثة اللانقدي جعل من المرنيسي نسخة متجددة ومتقدمة من التحليل الاستشراقي الذي لا يسائل منطلقاته ولا يقوم بنقد آلياته ومحدوديتها.

جاءت المقاصدية كمنهاج للإجابة على أسئلة يطرحها العصر، أي الحداثة ولكنها بقيت محتشمة

عبد الكبير الخطيبي هو رائد نقد الحداثة ونقد التقليد العربي والإسلامي في نفس الوقت. حاول الخطيبي تجاوز الثنائية المانوية المرتكزة على الأنا والآخر والتي أسس لها المستشرقون في الغرب والسلفيون عند العرب. لهذا نادي بفكر آخر، مرتكز على الاختلاف، على استقلال العقول من النظرة الماهيوية للعرب وللغرب. غير أن النقد المزدوج يبقى فقط منهاجا عند الخطيبي، مقاربة تفكيكية على نهج جاك دريدا، ولكن دون تحديد ما هو هذا الفكر الآخر الممكن؛ هو في الحقيقة لا يؤمن بعملية التحديد لأنها تمرين ماهيوي يحاول هو أصلا تجاوزه. هذه ربما ليست فقط محدودية فكر الخطيبي ولكن محدودية المنهج التفكيكي عامة الذي وضع أسسه دريدا: التفكيك ممارسة نقدية مهمة وأساسية لفهم المنطلقات والبرتوكولات الخطابية المستعملة، ولكن ماذا بعد الفهم؟ ماذا بعد النقد؟ نقد النزعة الماهيوية ونقد المانوية ونقد معيارية الخطاب يبدو وكأنه فقط مشاكسة أسلوبية لا تمس بعمق الأشياء وسلطة الحداثة.

رواد الحركة الثقافية الأمازيغية واجهوا صدمة الحداثة عبر إعادة إنتاج خطاب يتأرجح بين الحقوق الثقافية ونزعة الانتماء إلى وطن متخيل سمي بتمازغة، يؤثته شتات أمازيغ يتواجدون منذ أبد، تمت إعادة صياغته كزمن ليؤصل لانتماء أركيولوجي انثروبولوجي مترامي الأطراف من سيرت إلى جزر الكناري. أسباب النزول هي البحث عن كنه هوية سديمية ذوبتها النزعة الوطنية العروبية المنتصرة في وطن متخيل وجغرافية متخيلة تتناغم ومقتضيات الدولة المابعد كولونيالية الناشئة. رومانسية وحدة الفضاء المغيب وتفرد اللغة التي تشرذمت إلى لهجات والثقافة التي قاومت التعريب والفرنسة على مدى سنين وسنين جعلت رواد الحركة الأمازيغية يترجمون الحقوق الثقافية إلى بروتوكولات خطابية ذات نفحة قومية: اختيار تفيناغ (دون الحرف العربي أو اللاتيني المقروء والمفهوم لدى جل المغاربة)، معيرة لغة مخبرية جديدة من صنع اللسانيين بعيدة شيئا ما عن اللهجات الأم، والنضال من أجل دسترة هذا البناء اللساني واعتماده كأداة لفرض الذات الأمازيغية في حقل التداول والصراع الثقافي الحالي.

ظن رواد الحركة الأمازيغية أنهم بتيفيناغ والمعيرة والدسترة جعلوا مطالبهم أكثر راديكالية ولكنهم فوتوا على المجتمع تعلم الأمازيغية بسرعة اعتمادا على الخط العربي، وفوتوا على اللهجات أن تصبح متداولة بشكل أكبر في سوق التعاملات اللسنية والثقافية، وقاموا بدسترة آليات خطابية لها علاقة مهترئة بالواقع والتاريخ. رومانسية الانتماء لمتخيل تم بناؤه إربا إربا جعل النضال الثقافي الأمازيغي أقل راديكالية مما يظنون لأن الانطلاقة هي شبه قومية (أي الصراع من أجل إثبات الذات في مواجهة القومية العروبية التي يمثلها الوطنيون وبعدهم الإسلاميون) وليس تعددا ثقافيا ينطلق من نقد الذات، ونقد القومية ونقد الحداثة للتأسيس لخطاب متجدد يعكس تفرد الفعل الثقافي الأمازيغي. صدمة الحداثة بالنسبة للأمازيغيين هي صدمة صراع القوميات والانخراط فيه من أجل إثبات ذات تمت إعادة صياغتها بطريقة مخبرية تحمل إيحاءات وإرهاصات خطاب شبه قومي ناشيء لا يعلن نفسه بشكل صريح ولكنه غير مدرك لتبعات ومستقبل قراراته المصيرية فيما يخص الفعل الثقافي الأمازيغي.

أخيرا المقاصدية، المقاربة الاكثر شيوعا لدى الإسلاميين في مواجهة زخم الحداثة. يقول أحمد الريسوني إن “مقاصد الشريعة هي، الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد” (نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، 2003)؛ وهو ما يفسره من بعده عبد الرحمان الكيلاني على أنه “ما يعبر عنه معنى عام، مستفاد من أدلة الشريعة المختلفة، اتجهت إرادة الشارع إلى إقامته من خلال ما بني عليه من أحكام” (القواعد المقاصدية عند الإمام الشاطبي عرضا ودراسة وتحليلا 2005)؛ ولفهم مقاصد الشريعة (أي الأحكام الشرعية في القرآن والسنة). يقترح رواد المقاصدية منهاجا يسمونه الاستقراء، أي استنباط المقصد، أي المصلحة أو الغاية أو المعنى، من حكم الشرع. حتى الطقوس والعبادات فعي معللة وجاءت لغايات وضعها الشارع (أي الخالق كمصدر للشرع)؛ لهذا وجب الاجتهاد واستعمال مهارات تحليل الخطاب الشرعي للوصول إلى المقاصد الموجودة لذاتها، خلافا للوسائل التي “لها حكم مقاصدها” (الريسوني).

المقاصدية أتت كجواب على من يتنقدون أحكام الشريعة على أنها غير مناسبة للعصر: هكذا فاستنباط المعنى والغاية المقصودة تجعلنا ندرك المقصد ونفهمه ويمكن تغيير الوسائل حسب العصر والنوازل شريطة إبقاء المعنى (أي المقصد) نصب أعيننا كمعنى وضعه الشارع غير قابل للتغيير. الإشكالية بالنسبة للمقاصدية هي هل من الناحية الفلسفية ممكن إدراك معنى هو في كنهه رباني؟ أي هل يمكن إدراك مقصد الخالق من الخلق؟ المعنى الرباني مفترض فيه أنه يسمو على الخلق، أي أنه معنى متعال، غير بشري، موجود على مستوى أعلى من اللغة والبيان والمنطق. لهذا فما ندركه من معنى الخالق هو فقط فهمنا المتواضع المتغير لهذا المعنى. أي أنه هناك معنى أكبر وهنا إدراكنا لهذا المعنى. ما يقول به الريسوني وأصحابه من علماء المقاصدية على أنه مقصد الشارع هو فقط مقصد الشارع كما فهمناه حسب عصرنا وثقافتنا وظروفنا كبشر. وهذا المقصد هو متغير وليس ثابت. أي هناك المعنى الرباني الذي لا يدركه أحد؛ والمعنى البشري الذي نستنبطه من قراءتنا للنص الذي أنزل بلساننا لكي نفهمه، أي ندركه؛ والإدراك هنا هو إدراك بشري متغير لمعنى رباني ثابت لا يمكن لأحد اسنباطه أو استقراءه. أي إقرار بفهم معنى الخالق هو إعلاء للذات البشرية المتواضعة إلى مقام غير مقامها.

لهذا جاءت المقاصدية كمنهاج للإجابة على أسئلة يطرحها العصر، أي الحداثة ولكنها بقيت محتشمة، محافظة، مترددة وغير قابلة للتفاعل مع قضايا الناس في عصر تغير بشكل راديكالي لأنها ظنت أنه يمكن إدراك المعنى الرباني، وأن هذا يتم عن طريق الاستقراء الذي يقوم به علماء هم بشر ولكنهم يعطون لأنفسهم الحق في سبر أغوار المنطق الإلاهي دون خوف من إسقاط الذات والثقافة والوسط والقيم الذاتية والجماعية على هذا المعنى. المقاصدية واجهت الحداثة بالقول أن المعنى صالح لكل زمان ولكنها لم تصل إلى الإقرار بأن المقصد هو فقط تفسير بشري متغير للمقصد الإلاهي الثابت والغير المدرك على الإطلاق. لو فعلت لكانت أقوى رد على تهمة عدم معاصرة أحكام الشرع لتطور المجتمع ولفتحت الباب لاجتهادات كان ستكون مفيدة للدين والمجتمع ككل.

ماذا نستنتج من كل هذا؟ أولا، أن الحداثة كان لها وقع الصدمة الفكرية والإيديولوجية على المثقف المغربي (والعربي بشكل عام). ثانيا، أن الرد كان في جله دفاعيا، وفي بعضه استسلاميا أو خطابيا؛ ثالثا، أن ازدواجية الأنا والآخر كانت هي الثنائية المانوية الغالبة في التفاعل مع الحداثة؛ رابعا، أن بناء المتخيل كوسيلة لإيجاد فضاء فكري بديل كان هو القاعدة في غالبية الردود؛ خامسا، أن قضية الانتماء والهوية (رغم أنها بناءات خطابية في جلها) وإعادة بناء هذا الانتماء أرقت جل المثقفين من مختلف المشارب الفكرية والإيديولوجية. الغائب في هذه الردود هو المقاربة التاريخية ذات البعد الكوني والإنساني والمنخرطة بشكل نقدي في قضايا العصر عبر مساهمات مقعد لها بشكل واع وناجع في التربة الثقافية المغربية (والعربية). هذا ما فعله الهنود والصينيون واليبانيون والبرازيليون وغيرهم في علاقتهم مع الحداثة. وهذا ما علينا القيام به لتجاوز رومانسية الانتماء وثنائية الأنا والآخر والهروب الرومانسي إلى التراث والتي شغلت مفكرينا ومثقفينا لعقود. علينا أن ننفض عنا غبار مواجهة الحداثة لننخرط في حداثة متجددة نكون فيها فاعلين وليس فقط متفاعلين أو متفرجين أو هاربين إلى زمن ولى وثقافة كانت ومجتمعات اجتهدت ولم نجتهد. لدى المثقفين الشباب حاليا الآليات والوسائل لإحداث قطيعة إبستيمولوجية مع جيل أعطى واجتهد ولكنه بقي حبيس نظرة ما بعد كولونيالية أثقلت كاهله بأسئلتها المحرقة. القطيعة تولد الأمل والأمل معقود على الجيل الجديد ليضع أسس ثقافة متجددة منخرطة بقوة في العصر قضاياه وتحدياته وآماله وأحلامه.

اضف رد