خروقات الانفصاليين تعطي للمغرب الحق في العودة إلى المنطقة العازلة

تشكل تحركات جبهة البوليساريو الانفصالية الأخيرة تهديد لأمن المغرب والبحر المتوسط وأمن شمال أفريقيا والساحل وأوروبا أيضا، كل دلك في تشجيع الجزائر المستمر للبوليساريو وغموض الموقف الدولي يشجعان الانفصاليين.

الرباط – اعتبر الباحث وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، خالد شيات، أن التطورات الأخيرة في منطقة الصحراء و”استعادة التواجد العسكري للبوليساريو في المنطقة العازلة هو بمثابة إعلان حرب ضد بلاده”.

وقال شيات إن “هذا الخرق من طرف البوليساريو (الذي تنفيه الأخيرة) لا يخدم هذه المنطقة التي لا تحتاج إلى بلقنة وحروب جديدة”.

ويكشف رد فعل الرباط على عمليات التوغل في هذه المنطقة عن معطيات تملكها الرباط ترتبط بحجم هذه التحركات وتوقيتها ومراميها وأجنداتها التي تتجاوز مسألة النزاع حول الصحراء المغربية.

وقبل أيام، اتهم المغرب جبهة البوليساريو بنقل مراكز عسكرية (خيام وآليات) من مخيمات تندوف في الجزائر إلى شرق الجدار الأمني الدفاعي (منطقة عازلة على الحدود الشرقية للصحراء تنتشر فيها قوات أممية).

 واعتبر الخطوة “عملا مؤديا للحرب”، و”خرقا لاتفاق وقف إطلاق النار”، يستهدف “تغيير المعطيات والوضع القانوني والتاريخي على الأرض”، وفرض واقع جديد على المغرب.

يعكس التحرك المغربي صوب الأمم المتحدة كما استنفار الأجهزة العسكرية المغربية في المنطقة إدراكا في الرباط بأن هناك من يريد تفجير الوضع في المنطقة.

لكن المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوغريك رد على شكوى مغربية بهذا الخصوص بالقول إن “بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء المغربية (المينورسو) لم تلحظ أية تحركات عسكرية في المنطقة”.

وردت الرباط بأن البعثة الأممية لا تستطيع مراقبة كل المنطقة بدقة، مقدما في الوقت ذاته أدلة عملية على انتهاكات البوليساريو وتحركاتها الرامية لفرض واقع جديد ومنها تصريحات قادة الجبهة الانفصالية واعلاناتهم المتكررة عن عزمهم نقل مقرات للمنطقة العازلة.

وأكد خالد شيات بصحة اتهامات المغرب لجبهة البوليساريو بشأن التحركات في المنطقة العازلة.

وعن أسباب هذا التطور الذي وصفه المغرب بأنه “جدي وخطير للغاية”، قال شيات “قد تكون هذه التحركات نتيجة مجموعة وقائع حدثت مؤخرا وقرأتها البوليساريو والجزائر قراءة خاطئة أو سليمة على كل حال”.

وتابع “من تلك الوقائع تعيين جون بولتون مستشارا جديدا للأمن القومي الأميركي (تقول تقارير إعلامية إنه يدعم البوليساريو) ومنها زيارة السفير الأميركي بالجزائر جون ديدروشر لمخيمات تندوف (أواخر مارس/آذار)”.

وأوضح أن “موقف واشنطن غير واضح في هذا الملف” وأنها “تعطي إشارات متناقضة، وقد يكون من بين أسباب هذا الموقف الضغط على المغرب في ما يتعلق بترشيحه لتنظيم كأس العالم 2026”.

وخلال آب/اغسطس 2017، تقدم المغرب رسميا لدى “الفيفا”، بطلب استضافة كأس العالم 2026.

وينافسه على الفوز بتنظيم المونديال، ثلاثيا مشتركا قويا تقدمت به كل من الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.

واعتبر الشيات أن التحركات الأخيرة بالمنطقة تعكس عدم رغبة البوليساريو في المسار الذي تريده الأمم المتحدة لحل الأزمة.

وتابع موضحا “البوليساريو تقول إنها تريد مفاوضات مباشرة مع المغرب، لكن الحقيقة أنها متمسكة بمسألة تقرير المصير ما يعني أن هذه المفاوضات إذا وجدت فستكون من أجل هذه الغاية فقط، فهي ليست مفاوضات بغايات آنية ولن تكون لها نتائج آنية وبالتالي فالبوليساريو ليست في حاجة إلى أي حلول سياسية من داخل مجلس الأمن والمتحدة”.

وتتهم الأوساط المغربية الجزائر باستخدام جبهة البوليساريو كأداة من أدوات السياسة الخارجية ضد المغرب، وتعتبر أن تحركات البوليساريو ما هي إلا عبث تمارسه الجزائر في المنطقة لأسباب تتعلق بخطط الجزائر لإدامة التوتر مع المغرب، وبالسعي للتغطية على الأزمات السياسية والمالية والاقتصادية التي يعاني منها الداخل الجزائري.

وتكرر الجزائر أن لا علاقة لها بمسألة الصحراء وأن النزاع يجري بين المغرب وجبهة البوليساريو وأن موقفها يقتصر على دعم حق الصحراويين في تقرير مصيرهم.

 بيد أن المراقبين يؤكدون أن “قضية” الصحراء هي قضية مصطنعة ومفتعلة وافتضح ذلك من  انشقاق المؤسسين الأوائل لجبهة البوليساريو عن التنظيم بعد انكشاف حقيقة كونه بيدقا في يد الأجهزة الأمنية الجزائرية.

 ويضيف هؤلاء أن تحركات البوليساريو الأخيرة تندرج داخل خطط جزائرية لإعادة تسخين هذا الملف ميدانيا بعد الإنجازات المتقدمة التي حققتها الرباط داخل المحافل الدولية والعواصم الكبرى حول هذا الملف.

وتؤكد مصادر دبلوماسية فرنسية أن معلومات باريس تفيد عن جدل داخل أروقة السلطة في الجزائر حول مستقبل النظام السياسي وسط تململ شعبي بات علنيا من تفاقم ظواهر الفساد والمحسوبية وغياب الشفافية، ناهيك عن ضبط وسائل التعبير والتعامل البوليسي مع مظاهر الاحتجاج.

وترى هذه المصادر أن حراك البوليساريو في المنطقة العازلة في الصحراء المغربية يندرجُ ضمن المشهد الجزائري بصفته استفزازا يروم استدراج المغرب إلى توتر عسكري قد يصل إلى حد الصدام.

وتلفت المصادر إلى أن النظام الجزائري يسعى إلى شدّ أنظار الداخل الجزائري صوب قضية خارجية يعتقد أن بإمكانه أن يجذب العامة والنخب نحوها.

وتحذر أوساط دولية مراقبة لمنطقة شمال أفريقيا من مغبة العبث الجزائري في المنطقة. وتقول إن اللعب بالأمن والاستقرار في هذه المنطقة سيرفع من منسوب الفوضى ويطلق العنان لجماعات المافيا والإرهاب للتحرك بسهولة، ما يضيف أبعادا جديدة على جهود المجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب، كما يشتت الجهود الدولية لوقف الفوضى الإقليمية التي تسببها الأزمة في ليبيا، كما يعيد إنعاش جماعات جهادية تابعة لداعش والقاعدة جرت محاصرتها منذ العملية الفرنسية في مالي.

ويذهب بعض الخبراء الفرنسيين المتخصصين في الشأن الجزائري إلى التحذير من أن العسكرة المفاجئة لأزمة الصحراء المغربية ستوفر مناسبة للقوى العسكرية الجزائرية للتحرك والمناورة، ما يرجح كفتها داخل الصراع البيتي الجزائري.

ويعوّل هؤلاء على حكمة المغرب في مقاربة الأزمة كما على تحرك العواصم الأوروبية والأفريقية إضافة إلى الأمم المتحدة لسحب فتيل الانفجار.

وبدأت قضية الصحراء المغربية عام 1975، بعد إنهاء الاحتلال الإسباني وجوده في المنطقة، ليتحول النزاع بين المغرب والبوليساريو إلى صراع مسلح استمر حتى عام 1991، حيث توقف بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار.

ويتمسك المغرب بأحقيته في إقليم الصحراء، واقترح كحل حكما ذاتيا موسعا تحت سيادته، بينما ترغب الجبهة الانفصالية في تنظيم استفتاء لتقرير مصير الإقليم وهو طرح تدعمه الجزائر التي تؤوي النازحين في تندوف.

اضف رد