أوريد..عصر الديمقراطية

الرباط – كان هذا هو السؤال الذي طرحته مجلة التايم ( 20– 30 يوليو/تموز) في ملف خاص يبدأ بتشخيص سلبي لوضع الديمقراطية في العالم. فحسب هيأة مؤشر الديمقراطية، وكذا وحدة مجلة إيكونوميست فإن مؤشرات الديمقراطية في أسوأ صورها، سواء من خلال عناصر نزاهة الانتخابات أو حرية التعبير، أو وضع الصحافة، أو حقوق الإنسان، أو أوضاع الأقليات الدينية، أو حرية المعتقد، لسنة 2017.

ويختلف الوضع الحالي في العالم عن الصورة الزاهية التي برقت سنة 2003 والآمال التي رافقتها في أن تسير موجة الدمقرطة قُدُما. ويحيل الملف إلى الحالات التي استعادت الأوتوقراطية أو اليد الحديدية قوتها، أو الحالات التي شهدت عودة ظاهرة الرجل القوي كما في تركيا وهنغاريا وبولونيا، ناهيك من الأوضاع التي تتعارض جهارا مع قواعد الديمقراطية، كما فنزويلا ونيكاراغوا وبوليفيا. في الوقت ذاته يشهد العالم، بما فيه معاقل الديمقراطية، بروز ظاهرة جديدة وهي الشعبوية التي تتغذى من الأزمة الاقتصادية والشك الذي يتوزع المجتمعات، والتوترالذي يطبعها، سواء أكان سافرا أو خفيا.

يُقر الملف بأن عودة اليد الحديدية مغرية لأسباب عدة، منها أولا طبيعة الديمقراطية التي لا تتسم بالضرورة بالفعالية. فتوزع مراكز السلطة، وتعقد إجراءات اتخاذ القرار ما بين سلطة تنفيذية وأخرى تشريعية، يمنح للأنظمة القوية امتياز الفعالية. ويضاف إلى هذا العيب الجنيني أو الأصلي للديمقراطية سياقٌ جديد يتسم بشيوع الخوف من المستقبل وبروز أخطار جديد، منها الإرهاب والهجرة وقضايا البيئة. الطبيعة المعقدة لهذه المشاكل وأثرها المباشر على أمن المواطنين وسلامتهم، حاضرا ومستقبلا، يفترض سلطة قوية تُغلّب النظام على الحرية التي قد تقترن بالفوضى.

ويضاف إلى ذلك، الوسائل الحديثة للتواصل التي برزت كروافع للمطالب الاجتماعية كما وسائل التواصل الاجتماعي، والفيسبوك والانترنت، وتحولت بعدها إلى وسائل للقولبة والشعبوية والأخبار الزائفة والتضييق على الحرية، من خلال إمكانية الرصد والتتبع. لقد أصبحت حرية الرأي والتعبير معيبة بما قد يطبعها من ضحالة وغلو وزيغ.

ويعرض الملف إلى انتكاس الديمقراطية في العالم العربي مما قد يغذي الانطباع من أن عوائق ثقافية بنيوية قد تقوم ضد انتشار الديمقراطية في هذا العالم.

هل انتهى ذلك البريق الذي اقترن بالديمقراطية، وهل التحولات الجارية إرهاص لعودة السلطوية ؟

الملف وهو يعرض للواقع الكابي للديمقراطية لا يرضخ لواقع الحال، ويعرض لما يرتبط بالديمقراطية من جوانب إيجابية باعتبارها، حسب المقولة المأثورة لونستون تشرشل، من أنها الأسوأ، إذا تركنا جانبا سواها من الأنظمة. إيجابياتها من سلبية الأنظمة الأخرى. وقد تتميز أنظمة غير ديمقراطية بإيجابيات على المدى القصير، لكنها تنطوي علي عيوب عظمى على المدى الطويل، ومنها الحِجر على المجتمع وما يترتب على ذلك من خنوع أو توتر مستتر، يتخذ بعدها طابعا أهوج.

على مدار أقل من نصف قرن من الزمن، اكتسحت الديمقراطية معاقل عدة، مما جعل مدّها في صعود، رغم انتكاسات طارئة، وهو ما يجعلها الأقرب إلى الطبيعة البشرية التي تأنف من السلطوية، ومطابقة لمسلسل التاريخ.
هذه القضايا التي طرحتها مجلة «التايم» لها أهيمتها القصوى في العالم العربي، حيث تجد السلطوية مبررها بالنظر إلى ما آل إليه الربيع العربي، وحيث

لم تستطع الديمقراطية أن تنغرس، باستثناء الحالة التونسية حسب الملف، وحيث تشكو القوى الديمقراطية من ضعف مرجعية فكرية، وغياب تصور مجتمعي وبديل اقتصادي، فضلا عن تشتتها وانغمارها في قضايا هامشية، أو تغليب المسارات الفردية على المآلات المجتمعية.

ندرك أن الانتخابات ليست هي الديمقراطية، كما أن الدستور ليس صنوا لتوازن السلطات. بل قد تكون الانتخابات والدستور إحدى أهم الأدوات للإجهاز على الديمقراطية.

تفترض الديمقراطية قيام مؤسسات راسخة ومستقلة، من قضاء وإدارة، مع شيوع حالة القانون، وإلا ستكون الانتخابات تمرينا للإلهاء والتنفيس. كما تفترض كذلك وجود ثقافة ديمقراطية، تقوم على المنزع النقدي، والشك والحوار، واحترام الأقليات، وعدم النظر إليها بمنظر حسابي أو ديكتات الأغلبية، أيا كانت هذه الأقليات، دينية، أو اثنية أو لغوية أو ثقافية، مع المساواة ما بين الجنسين، من غير الزعم بخصوصية ثقافية، أو الاستناد على تأويل رجعي للنصوص.

إن الاتجاهات الكبرى في العالم لم تبرز فجأة، بل من خلال مسار طويل، اكتنفه مد وجزر. ليست الديمقراطية في أحسن أوضاعها، بل ليست في أحسن تعبير لها، لكنها مسار لا مناص منه. بيد أن هذا المسار لا يُختزل في تنظيم انتخابات أو مؤسسات صورية، أو واجهات، بل يقوم ضمن ما يقوم عليه على مؤسسات مستقلة وفكر نقدي.

إن حلبة الديمقراطية ليست هي المؤسسات المنتخبة وحدها، بل المدرسة كذلك. فهي وحدها ما يستطيع أن يُنَشّيء شخصا له حس نقدي، والمدرسة هي النواة لبناء المواطن.

إن تَحوّل الفعل السياسي إلى الشارع مؤشر على فشل المؤسسات الوسيطة. قد يغري ذلك السلطات باللجوء إلى المقاربات الأمنية من أجل كبح غلواء الشارع، لكنها لن تستطيع أن تكون حلا على المدى الطويل.

حسن أوريد شخصية سياسية وفكرية بارزة. ولج قصور السلطة من بابها الواسع كأول ناطق باسم القصر الملكي فيالمغرب، ثم عاد الرجل الذي تقاسم صف الدراسة مع الملك محمد السادس إلى الساحة العامة، مستقلا عن السلطة، بإسهام أدبي وفكري وتاريخي غزير وبنقد حاد لبنيات الدولة في المغرب مما وضعه في مناسبات كثيرة في قلب الجدل.

المؤلفات 

في مجال التأليف، تنوعت كتابات حسن أوريد الذي يتقن العربية والفرنسية والإنجليزية بين البحث التاريخي والاجتهادات الفكرية والإبداعات الأدبية. ومن أهم إصداراته في مجال الفكر والترجمة “الإسلام السياسي في إيران” (ترجمة)، و”الإسلام والغرب والعولمة” وهو كتيب صدر ضمن السلسلة الشهرية (منشورات الزمن).

كما ألف “مرآة الغرب المنكسرة” وهو دراسة نقدية لبعض الأفكار الغربية الاقتصادية والسياسية والدينية، أصدرها بالعربية والفرنسية، و”الفكر السياسي في إيران” (ترجمة من الإنجليزية إلى العربية).

وفي الإبداع الأدبي، صدر لحسن أوريد “الحديث والشجن” وهي رواية أقرب إلى السيرة الذاتية و”الموريسكي”، رواية كتبت بالفرنسية قبل أن تتم ترجمتها للعربية من طرف الكاتب المغربي عبد الكريم جويطي.

وقراءة في هذه الرواية، كتب الحسن السرات في موقع الجزيرة نت أن الجليد طغى على علاقة المثقف بالسياسي، فتوارى عن الأنظار، إلى أن جاء الربيع العربي فظهر أوريد بصبغته الفكرية والأدبية وقد عادت إليه الروح ولاحت نتائج رحلة باطنية عصيبة عبر فيها المحيط والصحراء معا. فكان “الموريسكي” واحدا من تلك النتائج.

وتتناول الرواية قصة الموريسكيين الذين تعرضوا لمحنة من أشد المحن دموية وظلما في التاريخ. واستقى مادة الرواية من سيرة أحمد شهاب الدين أفوقاي الذي فر من الأندلس زمان محاكم التفتيش إلى المغرب، ليلتحق ببلاط السلطانين السعديين أحمد المنصور الذهبي وولده زيدان.

كما صدرت له رواية “صبوة في خريف العمر”، ورواية “سيرة حمار” التي أثارت جدلا بخصوص رمزيتها السياسية، وديوان شعري بعنوان “يوميات مصطاف” وديوان “فيروز المحيط” وغيرها.

اضف رد