الملك المفدى خاطب بكلمته الجزائر بصراحة وموضوعیة،وصدق وحسن نیة،وبأجندة مفتوحة،ودون شروط أو استثناء

بقلم : جمال السوسي

عوّدنا الملك المفدى محمد السادس حفظه الله ورعاه على التعامل بحكمة ورزانة بالغتين كلما تعلق الأمر بعلاج مشكلة من المشاكل السياسية التي تهم البلد وتهم وطننا المغرب وكذا تلك التي تهم علاقاتنا مع العالم ومع جيراننا الشيء الذي يدل على أنه قائد محنّك يعرف كيف يختار الحلول المناسبة لكل قضية تهم الوطن داخليا أو تعمهم في إطار علاقته بالخارج.

ويزداد الملك المفدى حفظه الله تألقا وحكمة بمناداته في خطابه السامي بمناسبة الذكرى الـ43 لـ”المسيرة الخضراء” حيث دعا بكيفة لا مرابة فيها إلى تمثين العلاقات مع الجارة الشقيقة الجزائر مؤكدا على ضرورة فتح الحدود المغربية – الجزائرية المغلقة منذ العام 1994، وذلك في محاولة منه لفتح الحوار من جديد وتجاوز كلّ أنواع العقد والعمل مع البلد الجار من اجل مستقبل افضل لشعبي البلدين في وقت تمرّ الجزائر في بمرحلة انتقاليةدقيقة.

ولعلّ أهم ما يعبّر عن هذه الضرورة حرص المملكة المغربية الشريفة على تحسين الجوار وبعث الأخوة ومن جانب أخر المرحلة الانتقالية الدقيقة التي تمر بها الجزائر الشقيقة، بسب الحالة الصحية الحرجة التي  يمر بها فخامة  الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وهي مرحلة نتمنى أن تخرج منها الجزائر الشقيقة منتصرة ومتوجهة نحوى غذ أفضل مثلما نتمنى بنفس المناسبة للفخامة الرئيس بوتفليقة الشفاء لحالته الصحة راجين من العلي القدير أن يتخطاها بسلام إن شاء الله.

ونرى أن اهتمامات الملك المفدى حفظه الله ورعاه في هذا الصدد متتجدّد ة دوما من حيث أنه لا يقتصر على ضمان مستقبل افضل للمواطن المغربي، بل انّ المطلوب في هذه المرحلة التفكير في المستقبل من زاوية أوسع، وتشمل هذه الاهتمامات الإيجابية حتى الجارة الجزائر التي يتعامل معها ملك البلاد بمقتضى الأخوة وما يفرضه المصير المشترك للبلدين .

ونريد هنا أن نلفت الانتباه إلى أن المغرب قد استعاد أقاليمه الجنوبية بعد “المسيرة الخضراء”. من غير أن  يستطيع احد إعادة الاستعمار اليها او خلق كيان وهمي بداخلها قد يتسبب في مشاكل لكلّ دول المنطقة وشعوبها بما في ذلك الشقيقة الجزائر التي ستكون الهي المتضرر الأول من هذه الوضعية الشادة لو حصلت لا قدر الله. لكنّ ذلك يجب الّا يحول دون اطلاق أفكار بناءة في حال كان مطلوبا التصدّي للفقر والتخلّف وظاهرة الإرهاب التي تهدّد الجميع، بما في ذلك الجزائر.

وهكذا نرى أن خطاب الملك المفدى محمّد السادس حفظه الله ورعاه في ذكرى “المسيرة الخضراء” التي عبّرت في العام 1975، عن الإرادة القويّة للشعب المغربي في عدم التخلي عن حفنة من تراب صحرائه، دعوة الى التعقل والاعتدال. انّها دعوة الى اعتماد المنطق قبل ايّ شيء آخر. لذلك قال الملك المفدى حفظه الله: “من ھذا المنطلق، أود الوقوف على واقع التفرقة والانشقاق داخل الفضاء المغاربي، في تناقض صارخ وغیر معقول مع ما یجمع شعوبنا من أواصر الأخوة، ووحدة الدین واللغة، والتاریخ والمصیر المشترك. فھذا الواقع لا یتماشى مع الطموح الذي كان یحفز جیل التحریر والاستقلال إلى تحقیق الوحدة المغاربیة، والذي جسده، آنذاك، مؤتمر طنجة سنة 1958، الذي نحتفل بذكراه الستین. وقبل ذلك، ساھم موقف المملكة المساند للثورة الجزائریة في توطید العلاقات بین العرش المغربي والمقاومة الجزائریة، وأسس للوعي والعمل السیاسي المغاربي المشترك. فقد قاومنا الاستعمار معا، لسنوات طویلة حتى الحصول على الاستقلال، ونعرف بعضنا جیدا. وكثیرة ھي الأسر المغربیة والجزائریة التي تربطھا أواصر الدم والقرابة. كما ندرك أن مصالح شعوبنا ھي في الوحدة والتكامل والاندماج، دون الحاجة لطرف ثالث للتدخل أو الوساطة بیننا. غیر أنه یجب أن نكون واقعیین، وأن نعترف بأن وضع العلاقات بین البلدین غیر طبیعي وغیر مقبول. ویشھد الله أنني طالبت، منذ تولیت العرش، بصدق وحسن نیة، بفتح الحدود بین البلدین، وبتطبیع العلاقات المغربیة – الجزائریة”.

ولم يقتصر خطاب الملك المفدى حفظه الله  على التذكير بالماضي وبما يربط بين الشعبين الجزائري والمغربي. تعمّد الخوض في ما يمكن عمله الان. قدّم أفكارا عملية للخروج من وضع لا يمكن ان يستمرّ الى ما لانهاية، كما انّه ليس مقبولا ان يصير ابديا، لا لشيء سوى لان استمرار هذا الوضع سينعكس سلبا على الجميع. قال في هذا المجال: “بكل وضوح ومسؤولیة، أؤكد الیوم أن المغرب مستعد للحوار المباشر والصریح مع الجزائر الشقیقة، من أجل تجاوز الخلافات الظرفیة والموضوعیة، التي تعیق تطور العلاقات بین البلدین. ولھذه الغایة، أقترح على أشقائنا في الجزائر إحداث آلیة سیاسیة مشتركة للحوار والتشاور، یتم الاتفاق على تحدید المستوى التمثیلی فيھا، وشكلھا وطبیعتھا. وأؤكد أن المغرب منفتح على الاقتراحات والمبادرات التي قد تتقدم بھا الجزائر، بھدف تجاوز حالة الجمود التي تعرفھا العلاقات بین البلدین الجارین الشقیقین.

وتتمثل مھمة ھذه الآلیة في الانكباب على دراسة جمیع القضایا المطروحة، بكل صراحة وموضوعیة، وصدق وحسن نیة، وبأجندة مفتوحة، ودون شروط أو استثناء. یمكن لهذه الآلية أن تشكل إطارا عملیا للتعاون، بخصوص مختلف القضایا الثنائیة، خصوصا في ما یتعلق باستثمار الفرص والإمكانات التنمویة التي تزخر بھا المنطقة المغاربية، كما ستساھم في تعزیز التنسیق والتشاور الثنائي لرفع التحدیات الإقلیمیة والدولیة، لاسیما في ما یخص محاربة الإرھاب وإشكالیة الھجرة. ونود ھنا أن نجدد التزامنا بالعمل، یدا بید، مع إخواننا في الجزائر، في إطار الاحترام الكامل للمؤسسات الوطنیة.

“واعتبارا لما نكنّه للجزائر، قیادة وشعبا، من مشاعر المودة والتقدیر، فإننا في المغرب لن ندخر أي جھد، من أجل إرساء علاقاتنا الثنائیة على أسس متینة، من الثقة والتضامن وحسن الجوار”.

ان يقترح المغرب عبر الملك المفدى محمّد السادس أفكارا عملية من اجل علاقة افضل مع الجزائر دليل قوّة قبل أي شيء آخر ودعوة الى ربط الماضي، بما فيه من تجارب ذات طابع إيجابي بالمستقبل. شيء هام جدا في هذا الصدد ، لأنه قال: “نواصل الدفاع عن وحدتنا الترابیة، بنفس الوضوح والطموح، والمسؤولیة والعمل الجاد، على الصعیدین الأممي والداخلي. ویتجسد ھذا الوضوح في المبادئ والمرجعیات الثابتة، التي یرتكز علیھا الموقف المغربي، والتي حددناھا في خطابنا بمناسبة الذكرى الثانیة والأربعین للمسیرة الخضراء. وھي المرجعیات نفسها التي تؤسس لعملنا إلى الیوم. كما یتجلى في التعامل، بكل صرامة وحزم، مع مختلف التجاوزات، كیفما كان مصدرھا، والتي تحاول المس بالحقوق المشروعة للمغرب، أو الانحراف بمسار التسویة عن المرجعیات المحددة. اما الطموح، فیتمثل في تعاون المغرب الصادق مع السید الأمین العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ودعم مجھودات مبعوثه الشخصي قصد إرساء مسار سیاسي جاد وذي مصداقیة. كما تعكسه أیضا، المبادرات البناءة، والتجاوب الإیجابي للمغرب، مع مختلف النداءات الدولیة، لتقدیم مقترحات عملیة، كفیلة بإیجاد حل سیاسي دائم، على أساس الواقعیة وروح التوافق، وفي إطار مبادرة الحكم الذاتي”.

في الإمكان مثلا المتاجرة بقضية الصحراء المغربية الى ما لانهاية، و في الإمكان استغلال هذه القضيّة المفتعلة للاساءة الى المغرب ومنعه من تكريس كل موارده من اجل الاستثمار في التنمية، التي هي تنمية بشرية قبل أي شيء آخر، ولكن ماذا بعد ذلك؟ من يستفيد من أي عرقلة للانطلاق بالمنطقة كلّها، أي بالجزائر والمغرب والدول القريبة منهما، نحو فضاءات مختلفة بعيدا عن المناكفات والاستثمار في كلّ ما يمكن ان يخدم التطرّف والتخلّف؟

لقد وضع الملك المفدى محمد السادس حفظه الله ورعاه  عبر خطاب الذكرى الـ 43 لـ”المسيرة الخضراء” الأسس لمرحلة جديدة تتجاوز المملكة. يُفترض ان يسعى المسؤولون في كلّ دول شمال افريقيا الى العمل على بلوغ هذه المرحلة التي تقوم قبل ايّ شيء آخر على التخلي عن أفكار بالية.

في نهاية المطاف، استطاع المغرب في السنوات الـ 24 الماضية، أي منذ اغلاق الحدود بينه وبين الجزائر من تطوير نفسه وتحقيق معدل من النمو يظهر للعيان ، و هذا قد يكون مؤشرا لكي تنحو بلدان الجوار على نحزه في التنمية والتطور .

ذلك أن اللمكة المغربية الشريفة قد تكون مهيأت للاستفادة من الجزائر وكما أن هذه الأخيرة تصبح في هذه الحال مهيأة بدورها ا. لا لاستفادة من التجربة التنموية المغربية في إطار روابط الإخوة وحسن الجوار والتاريخ المشترك ..فمن هذه الناجية إذاً قد دلت قرائن الحال أن القطيعة بين البلدي لا تفيد في شيء بل تجعل البلدين يخسران على كافة الأصعدة.

وهكذا تصبح قضية الصحراء هي عبارة عن مزايدات بالنسبة الى الذين يريدون استخدامها لخدمة اهداف معينة، و من بين هذه الأهداف ابتزاز المغرب وإلحاق الأذى به لحاجة في النفوس المريضة التي ركبت لرؤسها من إذكاء الفتنة في المنطقة.

فقد كان ذلك ممكنا في مرحلة معيّنة تجاوزها الزمن. فإن من يريد ابتزاز المغرب هذه الايّام هو مثل من يريد خداع نفسه بالأو ولا شيء آخر غير ذلك.

اضف رد