الذكاء المالي…كن ذكيا وحرر نفسك

أكادير – ياسين لتبات: سوسيولوجي، وباحث في تطوير الذات

بعدما قدمنا في المقال السابق، لمحة عن الذكاء المالي، سنواصل حديثنا اليوم عن مفهومه وطبيعته وأهميته، ما هو الذكاء المالي؟ ما معنى أن تكون ذكيا ماليا؟ هل يمكن للذكاء المالي أن يصحح القناعات السلبية تجاه المال؟ وهل نستطيع بواسطة الذكاء المالي، أن نزيل تلك المعتقدات التي رسختها ثقافة المجتمع، وعززتها المدرسة بمناهجها المنقطعة عن الواقع؟ وهل للمدرسة دور فيما نمتلكه من مواقف سلبية تجاه المال؟ وكيف يمكن للذكاء المالي أن يساهم في تحرير الإرادات في اتجاه بناء استقلالية الشخص وتعميق قيمة المسؤولية والصبر في نفوس الناشئة؟

من خلال اشتغالنا في مجال تطوير الذات، يتضح لنا أن فهم طبيعة الذكاء المالي يعد من بين أصعب التحديات التي تواجه الباحث في هذا الميدان نظرا ألن الواقع معقد، ولا يمكن فهمه والعمل فيه دون إدراك لمستوياته المنطقية، من هنا نبدأ أوال بتعريف الذكاء، فالذكاء معناه القدرة على إجراء المعالجة الفورية والعميقة، للإحتياجات الإنسانية في سبيل تحقيق الأهداف المرجوة، من خلال هذا التعريف للذكاء، يمكن أن نعرف إذن الذكاء المالي، بأنه القدرة على المعالجة الفورية والعميقة لإحتياجات عالم المال والأعمال، من خلال جمع المعلومات وتحليلها وبناءها في سبيل تحقيق الأهداف المالية.

بعد هذا التعريف الأولي للذكاء المالي، ننطلق إلى تعريفه من خلال مستوياته المنطقية، فالذكاء المالي من المنظور النفسي، هو ذكاء مركب من ذكاء عاطفي وذكاء تحليلي، وهذا هو المنتشر لدى رواد المدرسة النفسية في الذكاء المالي، أما تعريفه الإقتصادي، فمعناه القدرة على إنتاج قيمة مضافة وعائد مالي، من خلال تحليلنا للمقاربة الإقتصادية للذكاء المالي، يتضح أنها مهمة ومفيدة للتمييز بين حالات إنتاج المال بدون قيمة، إنتاج القيمة دون مال، وإنتاج المال والقيمة معا، أما التعريف الإجتماعي للذكاء المالي، فيخبرنا بأن المال لعبة إجتماعية، وأن الذكاء المالي معناه؛ القدرة على امتالك الاستعدادات الذاتية للدخول في عالم المال والأعمال من خلال فهم عميق لقواعد اشتغال المال، ومعرفة الحواجز عند الدخول والخروج من اللعبة، وكذا إدراك استراتيجيات الالعبين داخل اللعبة وقدراتهم وإمكاناتهم وكيفية الوصول إلى موقع ريادي الحتراف صناعة المال وتحويله إلى سلطة لحمايته وتنميته.

بعد تعريفنا للذكاء المالي، نعود للإجابة عن الأسئلة التي طرحنا في البداية، أن تكون غنيا ماليا، معناه أن تمتلك قناعات إيجابية تجاه المال، ومعرفة منظورك عن المال، وإدراك القيم التي توجهك للبحث عن المال، وعن كيفية الحصول عليه وتنميته، فالمال وسيلة وليس غاية، لكنه وسيلة أساسية، لابد منها لتحقيق غايات معينة، فتتسم أهميته في منحنا وعيا جديدا مخالف للوعي التقليدي، القائل باستحالة امتلاك المال إن لم يكون لديك مال في البداية، (إيال بغيتي تدير الفلوس، خاص يكون عندك الفلوس)، وإذا استحضرنا نماذج لأشخاص نجحوا وتميزوا في مجال المال والأعمال الذكية، سواء في العالم العربي بشكل خاص، أو في العالم بشكل عام، سنجد أنهم أشخاص ولدوا في بيئات صعبة قاسية جدا، بيئات التي تشجع على الإبداع والابتكار كأداة أساسية لامتلاك المال واحتراف صناعته، إذن فالمال صناعة، يتم تعلم أبجديتها من الأسرة قبل المدرسة، كأول بيئة يجد الطفل نفسه فيها بعد مخاض صعب مر منه، عند الخروج ألول مرة إلى عالمنا، فوظيفة الأسرة إذن هي التربية، ومعناها غرس قيم لتوجيه السلوك، ومن بين فروع التربية؛ التربية المالية، ومعناها وغرس قيم ومعتقدات قوية وفعالة عن المال، لامتلاك سلوك الناجحين ماليا، وكذا لمواجهة وتصحيح المعتقدات السلبية عن المال المتجذرة في سلوكنا اليومي، وهو نتاج ثقافتنا المهترئة عن المال، ولبناء ثقافة مالية في مجتمعنا، البد من التعريف بالناجحين ماليا، وتقديمهم في قالب جديد يستجيب لحاجيات الأجيال الصاعدة، ليأخذوا العبرة وليواصلوا مسيرة احتراف صناعة المال.

للمدرسة دور فعال في امتالك برمجة إيجابية وفعالة بهدف التميز في مجال المال والأعمال الذكية لذلك، فإننا بحاجة ماسة إلى مراجعة مناهج المدرسة وتكييفها مع الواقع، وإفراغها من المثالية الزائدة، من خلال تقديم خطوات عملية عميقة وفعالة في سبيل بناء وعي جديد عن المال، وترسيخ قيم المسؤولية والتحدي بالاستثمار في فعل التربية
والتدريب، في اتجاه بناء استقلالية الشخص من أجل المساهمة الفعلية في بناء اقتصاد الوطن.

اضف رد