الحوار المباشر والصريح بين المغرب والجزائر متى يرى النّور…؟

 مصطفى قطبي             

تابع المغاربة و الجزائريون خطاب الملك المغربي في ذكرى المسيرة الخضراء، ودعوة الحوار، التي أطلقها العاهل المغربي محمد السادس، لحل الملفات العالقة بين البلدين، وكان الملك المغربي وصف في خطابه، وضع العلاقات بين البلدين بأنه غير طبيعي وغير مقبول. وأعرب عن استعداد المغرب لـ الحوار المباشر والصريح مع الجزائر الشقيقة، من أجل تجاوز الخلافات الظرفية والموضوعية، التي تعيق تطور العلاقات بين البلدين.

وأضاف أن الآلية التي يقترحها على الجزائر يمكن أن تشكل إطاراً عمليًا للتعاون، بخصوص مختلف القضايا الثنائية، خاصة فيما يتعلق باستثمار الفرص والإمكانات التنموية التي تزخر بها المنطقة المغاربية. كما ستسهم في تعزيز التنسيق والتشاور الثنائي لرفع التحديات الإقليمية والدولية، لا سيما ما يخص محاربة الإرهاب وإشكالية الهجرة.

إذا كانت العلاقات الدولية تطبعها صراعات خاصة بين بلدان الجوار التي تتطاحن على مشاكل الحدود، فالمغرب والجزائر لم تخرجا عن هذه القاعدة. فالعلاقات بين المغرب والجزائر مرتبطة بقضايا تاريخية وأخرى تتعلق بتدبير الجوار… وهنا لابد من التأكيد أنّ الشعب المغربي والجزائري شعبين حيينّ كريمين، يَقبَلون الخير ويُقبِلون عليه ويرفضون الشر والفساد ويعاقبون عليه، وأنهم بخير لأنهم أحياء قادرون على حمل الأمانة التي تنوء عن حملها الجبال، وهي إرادة التغيير.

لابد أن نعترف أنّ الأزمات التي تندلع بين الأمم والشعوب لا تأتي فجأة من السماء، ولم تنبت من الأرض كالطفيليات دفعة واحدة، وإنما هي نتيجة أفعال وأعمال وأحداث تاريخية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو جغرافية.

وأصول الأزمة في العلاقات المغربية الجزائرية ميداناً يحتاج إلى شجاعة كبيرة وموضوعية عالية، لكثرة الألغام والقنابل الموقوتة فيه. فالعلاقات المغربية الجزائرية ساءت كثيرا مع مجيء الاستعمار، وازدادت سوءا مع رحيله، ولم يستطع السياسيون في البلدين التحرر من بقايا الاستعمار ومشاكله، ولا تجاوز الأزمة، والعودة إلى أصول الأزمة هو عين الصواب لفهم أي مشكلة، فكيف إذا كانت المشكلة عويصة تولدت عنها مشاكل أخرى مثل العلاقات بين المغرب والجزائر.

ويمكن اعتبار الأزمة المغربية الجزائرية النموذج الأمثل في هذا الباب، إذ تتفاعل العوامل الجغرافية والتاريخية والسياسية وتتداخل وتتشابك وتتقاطع كلها خلال مسافات زمنية تتباعد وتتقارب، اندلعت خلالها أزمة تلو أخرى من حرب إيسلي إلى حرب الرمال (1844 ـ 1963) وما زالت تداعياتها حاضرة وبكل قوة في مسيرة العلاقات بين الشعبين الشقيقين.

صحيح أن البلدين الشقيقين بينهما تاريخ طويل من الجفاء والعداء، لكن توتير العلاقات إعلامياً، في ظل الظروف الإقليمية والدولية الحالية التي تفرض التنسيق والتعاون في جميع المجالات، يأتي لأسباب غير إعلامية تروم صب الزيت على نيران العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين.

وتظهر تجليات التأثير السالب للإعلام في السياسات الخارجية، التي بات من الواضح أنها تدور في أفلاك المنابر الإعلامية للبلدين الجارين، التي لم تستطع الخروج من ذهنية العداء والعداء المضاد، وتتعامل من منطلق فرضية ثابتة تكاد تكون صنماً إعلامياً، تفيد أن المغرب والجزائر لا يمكن أن يكونا إلا في وضع العداء والصدام. وأصبح مؤكدا أن المغرب والجزائر الذين يجمعهما الكثير ويؤهلهما إلى علاقات أكثر عمقاً وثماراً على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وان التعاون بينهما ممكن وبشكل سريع إذا تركتهما لوبيات الإعلام ولم توتر علاقاتهما الثنائية، بشكل يكاد يصبح خطا تحريرياً ثابتاً.

وهنا لا تجد من يقول أن على المغرب والجزائر الاستفادة من تاريخ الدول الغربية التي تتحد وتتكاثف اقتصادياً وأمنياً دون اكتراث لملفات التاريخ التي تلم العديد من الحروب الكونية والأحقاد التاريخية بين القوى الغربية.

ومع كل هذا وذاك، فلابد أن قطار المغرب والجزائر سيتلمس سكة انطلاقة جديدة تصالح البلدين الشقيقين، مع مشروع تنتظر تحقيقه منذ القدم، بعد أن تقاسمت ذكرى المقاومة الجماعية للاستعمار لكنها فشلت في ربح رهان الوحدة والتنمية بعد تأسيس كياناتها المستقلة.

لكن قبل كل شيء، فلا بد من قراءة تحليلية ونقدية متحررة من رواسب الماضي ونزعة التعالي، للأحداث التاريخية التي أدت إلى حدوث هذه الأزمات لتستفيد منها أجيال الحاضر الموكل إليها بناء مستقبل الشعبين.

ويرى المراقبون أن نفخ الروح في جسد دول المغرب والجزائر الشقيقين، لم يعد اختياراً، بل ضرورة حتمية تقتضيها تحولات السياق الإقليمي والدولي. فالصمود في زمن الأزمة البنيوية للاقتصاد العالمي ومواجهة تداعيات الأوضاع الأمنية والسياسية الانتقالية في مرحلة ما بعد الربيع العربي، ولاسيما أخطار الانهيار الأمني في منطقة الساحل والصحراء بات رهناً بإرساء إطار تفاوضي وتكاملي وتضامني بين المغرب والجزائر.

فالبلدين تواجههما مشاكل وقضايا موحدة ومشتركة، أليس تاريخهما ضاربا في أعماق الزمن؟ ولا يمكن حل هذه القضايا والمشاكل بدون التعاون والتآزر، وأي تأجيل لا يمكن إلا أن يجعلها تتفاقم مع الزمان، على رأس هذه القضايا: قضية التنمية البشرية التي تعطلت، وقضايا التطرف الديني والهجرة السرية، باعتبارهما مشكلتين طارئتين، والأمازيغية بصفتها قضية ثقافية واجتماعية. إنها قضايا جوهرية، ولا تستأهل أي تأخير، وليس بخوض الحروب الإعلامية… يمكن مواجهتها. 

وكل ما يتمناه كل مغربي وجزائري شريف وعاقل ومحب لوطنه ولشعبه، أن تطوى الصفحات الماضية السوداء وتفتح صفحات جديدة بيضاء. لكن متى سيتحقق ذلك؟

سيتحقق عندما يتحمل المفكرون والمؤرخون والمثقفون النزهاء، من مغاربة وجزائريين قبل غيرهم من السياسيين والعسكريين، ورجال المال والأعمال مسؤوليتهم التاريخية والوطنية، لردم الهوة التي تصطنعها السياسة عندما لا توظف لخدمة الأجيال القادمة، لابد من  عقد حوارات فكرية وتاريخية مشتركة لاستخلاص الدروس والعبر من هذه الأزمات التي عطلت مسيرة البلدين الإنمائية، وأضرت بالمصالح الحيوية للشعبين.

وعموماً، فإن الشعبين المغربي والجزائري تربطهما أواصر لا يمكن للملف السياسي أن يطمسها بالمرة، فهي عميقة ومتجذرة في الثقافة والقرابة، ولا أدل على ذلك من وجود تعايش مستمر خصوصاً بالمناطق الحدودية رغم أن الحدود مغلقة، ما يفسره على سبيل المثال مستوى الاقتصاد الموازي بهذه المناطق.

اضف رد