لماذا تسلّل التطرف والتكفير إلى مجتمعاتنا…؟

مصطفى قطبي

 اليوم نعيش في العالم العربي والإسلامي تحت وطأة تنامي ظاهرة التطرف والتعصب، فهل هو نتيجة هزيمة كبيرة للتفكير الديني الوسطي، أم أنه نتيجة حتمية  لمصادرة حق الاجتهاد وتكفير الآخر؟ هل لأن المجتمع العربي والإسلامي عاش ويعيش تحت وطأة حق القوة وليس قوة الحق على المستويات الإنسانية والوطنية والدينية مما خلق بيئة حاضنة للتطرف والعنف؟

لقد أُتخمت بطون التاريخ العالمي والعربي بجرائم التطرف الفكري والتكفيري وتشهد على مذبح الكون كيف عمل ومازال يعمل المستعمر منذ القدم على خلخلة الثقافة العربية، بما يبثه من أباطيل وأكاذيب تمثلت أحياناً بإحياء النعرات الطائفية، أو ترويج الثقافة الغربية، أو تزييف الحقائق التاريخية…

من هنا، يمكن تعريف الدين  كما عرفه قول النبي محمد (ص) في الحديث الذي أورده مسلم في  صحيحه حين سأل عن ماهية الدين فقال: (الدين المعاملة)، أي انه الأثر الإنساني الذي يتركه الفرد على المجتمع الذي يعيش فيه، والمشكلة تكمن الآن في محاولة البعض زج الدين في جميع ميادين الحياة ومنها السياسية، وإسقاط عصر التنزيل على كل العصور والأزمنة اللاحقة، ما أحدث شرخاً كبيراً بين النظرية والتطبيق، وأسيء للدين عن قصد أو  غير قصد من قبل الكثير من المنظرين والدعاة ورجال الدين من خلال محاولتهم تطبيق أساليب القرن الأول الهجري في إدارة مفاصل الحياة في وقتنا الحاضر، وهذا شيء مخالف للعقل والمنطق.

 الوطن العربي يواجه اليوم، أزمة ذات طابع مركب، لكونها أزمة فكر وواقع معاً شملت مختلف المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية، ومثّل الفكر أهمية خاصة ضمن هذا الطابع نظراً لدوره المحوري فيها، سواء على صعيد خلق الأزمة أو صياغة الخروج منها، والتاريخ شهد منذ القدم على الكثير من العقول البشرية التي لا تدرك الحقيقة إما بسبب القصور في الفهم والوعي أو لعدم الإيمان بالمسؤولية المجتمعية الوقائية، فكان الاضطراب والتفجيرات والقتل والتدمير، الذي أحدث خللاً في الأمن الحسي الإنساني، ورغم هذا، لاحظنا ثمّة خلافات كثيرة بين المفكرين في تعريف التطرف ومقاربة مفهومه بالتحليل والدراسة تاريخياً.

وللأسف المأسوف عليه، أنّ الوقائع في العديد من الدول، تؤكد على  تصاعد الفكر التكفيري وتزايد الإرهاب بأنواعه رغم اشتداد الخلاف حول مفاهيم الآخر/المتطرف/الحقيقة… وتحديد ماهيته وطبيعته في ضوء المذابح الجماعية والإبادة تحت شعارات لا تمت للإسلام وللتعاليم السماوية بصلة. إلا أن هذا الصراع الفكري الإشكالي في وقائعية المشهد يغري بالبحث والقراءة التي تتجاوز حدود هذه الوقائعية المؤطرة زماناً ومكاناً.

 ويعد من التحديات الكبيرة التي يواجهها العالم العربي هو الغزو الثقافي الذي أوجد مناخاً يتسم بالصراع الفكري الذي يجر إلى نتائج وعواقب خطيرة على مقومات الأمة وحضارتها، وظهور رأي دخيل على المجتمعات، لذلك يجب بذل الجهود في تأمين الفكر والأمن له، وإتباع  سياسات واضحة المعالم لحماية الأمن الفكري للشباب لتأمينهم ضد مخاطر التيارات الفكرية المنحرفة مهما كانت المغريات أو الدوافع.

 لابد لنا أن نعترف كيف أدت الثقافة الغربية إلى بروز الفردية والأنانية لدى أفراد المجتمع حتى فقد الفرد غريزة الانتماء إلى أمته ومجتمعه، وأصبح يتردد بلا هوية، وانعكس أثر ذلك على الأدب، حيث شاع في مجتمعنا العربي أدب اللامعقول الذي يعكس مدى القلق والغربة التي يعيشها الإنسان العربي جراء صخب المدينة المتواصل الذي أفقد المجتمع ضرورة العلاقات الاجتماعية وإنكار الذات.

وعلينا الإشارة أن الشعوب في ظروف الأزمات والمحن تحتاج إلى صوت الحكمة والعقل لمواجهة الغرائز والتوحش والجهالة، لكن عندما نجد الأوطان العربية تشن عليها الحروب الوحشية ويذبح بها الشعب من الوريد للوريد تحت شعار الله أكبر، ونحن الذين ترعرعنا على نهج أمير الكلام من خلال قوله المأثور: ”إن لم يكن أخوك في الدين فهو أخوك في الخلقة”. هل استطاع هذا الشعار على مدى قرون أن يبيد العنصرية والطائفية؟

لقد تعلمنا في المجتمع الإسلامي المعتدل أن نكون دعاة بالحكمة والموعظة الحسنة وأن نكون أهل الحوار مع الآخر والرافضين للظلم والمقاومين للاستعمار والإرهاب وتكفير الآخر وعشاق الشهادة أو النصر.

علينا جميعاً أن ننضم للناس المؤمنين بالشراكة الروحية لأنها مفتاح القلب وعطاء غير مشروط يعبر فيها الإنسان عن محبة وغيرية قادرة أن تصدّع الإيديولوجيات والأحكام المسبقة، وهذه الشراكة يجب أن تبدأ مع الإنسان منذ طفولته لأنها الفطرة التعبيرية الأولى  لعلاقة الإنسان بالآخر الحب /الوجود، وهنا يبرز دور التربية في تكوين الإنسان، لأن الطفل الذي لا يعيش علاقة محبة وتسامح وإيثار، ينشأ وحيداً شارد الذهن ومنطوياً على ذاته. في حين أن الطفل الذي يحاط بالمحبة والأمان ينمو إنساناً يشعر بالحرية والاستقلال وتحمل المسؤولية.

ومن المؤسف أن جُلَّ الوعي السائد في مجتمعاتنا العربية حول الطائفة والطائفية يأخذ صورة غرائزية تنطلق من المبادئ الشمولية، ويركن إلى أحكام كلية تفتقر إلى أدنى مستويات العقلانية والموضوعية. إنه وعي طائفي بامتياز وهذا هو الذي يصنع الآخر الطائفي في مربعات الإدانة والاتهام والتبخيس المطلق.

وفي هذا المستوى تكمن المهمة العضوية والتاريخية للمفكرين والباحثين في ترسيخ هذا النوع من الوعي الموضوعي بالطائفة والطائفية والمذهب والمذهبية على حساب الوعي الذاتي القائم على المطلقات الحسية الغريزية المعادية للآخر والمنادية بإزاحته…

وهناك رأي يقول: اغتراب الدولة عن المجتمع يشكل الحافز القوي في تأصيل الطائفية وعودة المجتمع على تكوينات ما قبل الدولة، طائفية كانت أو مناطقية أو عشائرية.

 نِعَمُ الله لا تُحصى والنعمة الكبرى التي أمرنا الله بها هي امتثال لأمر عظيم صريح جلي في كتاب الله تبارك وتعالى، في آيٍ كثيرة، فالله تبارك وتعالى يقول: (واعتَصِمُوا بِحَبل اللهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقوا). آل عمران 103.

 عندما نعمل على إعمال العقل  والتفكّر والتدبر والتعقل والعمل بالتنزيل الكريم يمكن للذي نعتقد أنه مستحيل أن يصبح ممكناً، إذا أدرك كلّ إنسان أن العمل للسلام يجب أن يبدأ من عنده أولاً، وإذا اعترف بإنسانية الآخر وبالطابع المقدّس لكل فرد مهما كان وضعه الاجتماعي أو الاقتصادي أو الفكري فمع هذا اليقين يتحقق اليقين بضرورة السلام.

 إن المراجع الدينية العليا مسؤولة عن الحالة النفسية ـ الدينية التي وصلنا إليها، والسياسات القاصرة مسؤولة عن ذلك أيضاً، والجهات والشخصيات والتنظيمات والمؤسسات… كل ذلك مسؤول عما نحن فيه وعما يمكن أن يؤول إليه أمرنا ونحن في غمار هذه المحنة… لكن ليس الآن وقت التلاوم وإنما وقت الاحتشاد على قلب رجل واحد لإبعاد شبح الفتنة والتطرف والإرهاب وإيقاف الحروب القائمة على قدم وساق باسمها، وتغليب منطق الحوار والاحتكام للشرع والعقل بإيمان يزيد المرء إيماناً، وبوعي يكشف لكل ذي بصر وبصيرة خطورة الراهن والقادم على الآمة والدين، ومن الذي يستفيد من حرب الأخوة ومن التطرف والتعصب والإرهاب والظلم والطغيان وإشباع غرور السلطة والتسلط… تلك الأدواء التي تهلك شعوباً وتقضي على دول وتريق الدماء وتزهق الأرواح.

إن معظم ما يجري من مواجهات في وطننا الكبير يتم بدعم ظاهري وتخطيط وتدبير تآمري من دول على رأسها الولايات المتحدة الأميركية والحركة الصهيونية اللتان تقودان حرباً قذرة لتدمير أوطاننا ومقدرات شعوبنا وقيم ديننا تمهيداً للسيطرة التامة علينا…

 وختام القول: هل نحن قادرون على تحويل الدين من دين يحاول المتمسكون به أو المدعون ذلك أن يتحكموا بمقدراتنا وأرواحنا وأرزاقنا إلى منظومة فكرية وإنسانية تعمل على بناء الإنسان روحياً وأخلاقياً وسلوكياً بما يتلاءم مع متطلبات العصر الحالي حتى نستطيع مواكبة باقي الأمم في سيرها نحو الرقي والازدهار بدلا من السعي لسحبنا إلى الخلف والعودة بنا إلى المربع الأول ويبقى الإنسان العربي يراوح في مستنقع الإرهاب الفكري ويعاني من أورام التطرف الديني.

اضف رد