واشنطن تبدأ بتنفيذ العقوبات على نفط إيران.. إلى أي مدى تؤثر على أسعار النفط؟

واشطن – يبدأ اليوم تنفيذ قرار إلغاء الإعفاءات الأمريكية لمشتري النفط الإيراني، وسط توقعات بتهاوي الصادرات الإيرانية إلى الصفر فى مدى قصير.

ومالت أسعار النفط إلى التراجع النسبي بسبب ضغوط ارتفاع المخزونات الأمريكية وحالة الضبابية النسبية التى تهيمن على السوق.

وحذرت الولايات المتحدة مشتري الخام الإيراني من مواجهة عقوبات في حال تنفيذ صفقات مع طهران، لتنهي بذلك إعفاءات مدتها ستة أشهر سمحت لأكبر ثمانية مشترين للنفط الإيراني، معظمهم في آسيا، باستيراد كميات محدودة. فيما تحاول طهران التحايل على القرار مع تأكيد بيجن زنجنه وزير النفط الإيراني أمس أن بلاده تدرس سبلا جديدة لبيع نفطها. دون أن يكشف الوزير عن تفاصيل.

وكانت الولايات المتحدة أعلنت إلغاء الاستثناءات من العقوبات الأمريكية الممنوحة لعدد من الدول عند شرائها النفط الإيراني وعدم تمديدها بدءاً من الشهر المقبل. وشمل ذلك دولا حلفيفة مقربة من الولايات المتحدة، قد تواجه الآن عقوبات في حالة استمرارها في شراء النفط الإيراني.

وقد يكون لهذا القرار تأثيره غير المباشر خارج هذا الركن من الشرق الأوسط ( وقد يؤثر حتى على نفقاتك الشخصية)، بعد شهور من التوتر المتزايد بين إيران والولايات المتحدة.

وما زالت العوامل الضاغطة في اتجاه صعود الأسعار هي الأقوى خاصة الأزمة في فنزويلا والإصرار الأمريكي على تطبيق عقوبات صارمة تخنق الصادرات النفطية الإيرانية لتصل إلى مستوى الصفر، إلى جانب أن تأثير تمسك “أوبك” باتفاق خفض الإنتاج ربما يمتد على مدار العام الجاري كاملا.

ويرى محللون نفطيون أن الرهانات الصعودية للسوق قوية في ضوء أن العوامل المحفزة للأسعار الأكثر تأثيرا، لكن يقاومها ارتفاع المخزونات وبعض المضاربات وجني الأرباح ما يجعل الأسعار معرضة لموجة من التقلبات السعرية المتلاحقة.

وأضاف المحللون أن “إلغاء الإعفاءات الأمريكية لمشتري النفط الإيراني التي بدأ تطبيقها اليوم كان إحدى المفاجآت للأسواق وهي التي قادت الأسعار إلى تسجيل مستويات قياسية، حيث ارتفعت إلى أعلى مستوياتها في ستة أشهر في بداية الأسبوع الماضي، ثم انخفضت يوم الجمعة عقب مطالبات أمريكية بزيادة الإنتاج، التي قابلتها “أوبك” بالإشارة إلى احتمال تمديد صفقة خفض الإنتاج.

في هذا الإطار، يقول لـ”الاقتصادية”، روبرت شتيهرير مدير معهد فيينا الدولي للدراسات الاقتصادية، “إن حرص السعودية ودول أوبك على توازن السوق دفع إلى التمهل في إجراء زيادات إنتاجية لحين صدور مؤشرات عن مستويات الطلب تؤكد الحاجة إلى مزيد من الإمدادات، خاصة أن هبوط الصادرات الإيرانية إلى الصفر لن يخصم كثيرا من المعروض النفطي العالمي”.

وأشار شتيهرير إلى أن تصفير الإنتاج الإيراني سيحدث من دون شك تدريجيا مع تشديد العقوبات الأمريكية، عادا إلغاء التنازلات رغم صعود الأسعار إلى مستويات قياسية يعكس أمرين، الأول هو الإصرار على توجيه ضربة قاصمة إلى الاقتصاد الايراني بإنهاء الصادرات النفطية، والثاني الثقة بقدرة “أوبك” على تعويض الإنتاج الإيراني بسهولة الذي لا يتجاوز 1.1 مليون برميل يوميا حاليا.

من جانبه، أوضح لـ”الاقتصادية”، روبين نوبل مدير شركة أوكسيرا للاستشارات، أن محاولات الصين تقديم بعض الدعم إلى الصادرات النفطية الإيرانية لن يكتب لها النجاح فى ظل إصرار أمريكي على تصفير الصادرات الإيرانية وتطبيق عقوبات مشددة على كل من يبرم صفقات لشراء النفط الإيراني، منها الاستبعاد من النظام المالي الدولي، لافتا إلى أن الصين على الأرجح ستبدي مزيدا من المرونة خاصة مع بدء جولة جديدة من المفاوضات التجارية بين البلدين في بكين ورغبة الجانبين فى سرعة إنهاء النزاعات التجارية لتعزيز النمو الاقتصادي.

من ناحيته، يقول لـ”الاقتصادية”، ماركوس كروج كبير محللي شركة “إيه كنترول” لأبحاث النفط والغاز، “إن زيادة الإنتاج من تحالف المنتجين في “أوبك+” ستحدث تدريجيا وربما قبل أشهر الصيف، وستكون في الأساس مترتبة على انتعاش الطلب بسبب موسم الرحلات الصيفية في الولايات المتحدة”.

وذكر كروج أن زيادة الإمدادات قادمة لأن الأسعار المفرطة في الارتفاع ليست هدفا لـ”أوبك” إنما استقرار السوق الهدف الرئيس”، مشيرا إلى أن إمدادات النفط الإيراني ستتقلص بوتيرة سريعة خلال الفترة المقبلة حتى تصل إلى مستوى الصفر، ويجيء ذلك بالتوازي مع تفاقم الأزمة في فنزويلا وهبوط إنتاجها واستمرار القتال في ليبيا وهو ما سينعكس سريعا على إمداداتها النفطية، ومن ثم سيجد المنتجون أنفسهم في حاجة إلى تعزيز الإمدادات قريبا.

بدورها، توضح لـ”الاقتصادية”، جولميرا رازيفا كبير محللي المركز الاستراتيجي للطاقة في أذربيجان، أن الشهرين المقبلين حاسمان في سوق النفط، وبحلول نهاية الشهر المقبل سيتضح حجم الخسائر التي لحقت بالصادرات الإيرانية وربما تكون قد اقتربت بالفعل من مستوى الصفر وهو ما سيجعل الصورة واضحة أمام الاجتماع المقبل للمنتجين في “أوبك+” في فيينا، ويسهل التوافق على سياسات إنتاجية جديدة وإجراء تعديلات مؤثرة تخدم مصالح كل أطراف الصناعة وتعزز الاستثمارات الجديدة.

وأشارت رازيفا إلى أن قرار المنتجين سيكون بلا شك داعما لاستقرار السوق ومانعا لأي شطط في مستوى المعروض أو في مستوى الأسعار، وسيكون في ضوء مراجعة دقيقة وتقييم لتفاعلات العرض والطلب ومدى تطور الأزمات في الدول الثلاث إيران وفنزويلا وليبيا، مع الأخذ في الحسبان حجم الطلب ونمو الإنتاج الأمريكي، الذي يسجل بالفعل وتيرة متصاعدة حتى الآن ويحاول ملء فراغ الإنتاج الإيراني رغم صعوبة الأمر على المنتجين الأمريكيين لاختلاف مستوى الجودة والكثافة.

وتراجعت أسعار النفط أمس بعد تقرير أظهر زيادة في مخزونات الخام الأمريكية، لكن التوتر ظل يشوب الأسواق العالمية وسط تفاقم الأزمة السياسية في فنزويلا وتشديد العقوبات الأمريكية على إيران واستمرار تخفيضات معروض “أوبك”.

بحسب “رويترز”، فقد لامست العقود الآجلة لخام برنت 71.52 دولار للبرميل، منخفضة 54 سنتا بما يعادل 0.8 في المائة عن أحدث إغلاق لها. ونزلت عقود الخام الأمريكي غرب تكساس الوسيط 66 سنتا أو 1 في المائة إلى 63.25 دولار للبرميل، وجاءت المعاملات هزيلة على أساس أن أول أيار (مايو) عطلة في أسواق عديدة.

وأظهرت بيانات معهد النفط الأمريكي أن مخزونات الخام في الولايات المتحدة زادت 6.8 مليون برميل إلى 466.4 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 26 نيسان (أبريل).

لكن تركيز السوق يتحول صوب الأزمة في منتج النفط الرئيس فنزويلا، حيث تدور مواجهة بين الرئيس نيكولاس مادورو وزعيم المعارضة خوان جوايدو، ويخشى مراقبون عديدون أن يفضي ذلك إلى عنف متصاعد ومزيد من التعطيلات للمعروض النفطي.

إلى أي حد تعتمد إيران على النفط؟

قال بومبيو يوم الأثنين إن إلغاء الاستثناءات سيحرم “النظام من مصدر دخله الرئيسي”.

وهو محق في ذلك إلى حد ما، لأن النفط هو أكبر مصدر للدخل بالنسبة لإيران، لكنه لا يشكل غالبية صادراتها.

ترامبمصدر الصورةGETTY IMAGES
ترامب يوقع على قرار انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني

وتقول منظمة “أوبك” إن صادرات النفط الإيرانية سجلت 52.7 مليار دولار العام الماضي، وبلغ إجمالي صادراتها 110.8 مليار دولار. كما أنها تجني أموالا من صادرات المواد الكيميائية والمعادن، وأشياء أخرى.

وحتى قبل اتخاذ القرار الأمريكي هذا الأسبوع، قال صندوق النقد الدولي إنه يتوقع أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 6 في المئة هذا العام.

وبدأ نحو 81 مليون شخص في إيران بالفعل يشعرون بالضيق خلال الأشهر الأخيرة مع تباطؤ صادرات البلاد من النفط، فضلا عن تأثير العقوبات الأمريكية الأخرى على قطاعات الطاقة وبناء السفن والشحن والبنوك.

وسجل معدل التضخم في إيران ارتفاعا ملحوظا، واضطرت الأسر إلى زيادة نفقاتها بنسبة 47.5 في المئة شهريا مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، وتضررت الأسر الريفية على نحو خاص من جراء ارتفاع الأسعار.

هل يغير ذلك سعر النفط؟

ثمة نتيجة واحدة مؤكدة تهدد إمدادات النفط، وهي ارتفاع سعره، وهو ما حدث بالفعل بعد القرار الأمريكي يوم الأثنين، إذ ارتفع سعر خام برنت إلى 74.34 دولارا للبرميل، وهو أعلى سعر مسجل منذ الأول من نوفمبر / تشرين الثاني الماضي.

وسعت الولايات المتحدة إلى طمأنة السوق والعملاء بأن العالم لن يواجه قريبا نقصا في المعروض من النفط.

وقال بومبيو إن اثنين من حلفاء الولايات المتحدة المقربين، السعودية والإمارات، سيتدخلان ويدعمان الإنتاج لسد الفجوة.

ولكن توجد بالفعل اضطرابات في بلدين رئيسيين آخرين من الدول المنتجة للنفط، هما فنزويلا (التي تخضع للعقوبات الأمريكية) وليبيا (التي اندلع فيها العنف في الأسابيع الأخيرة).

خارطة

وقال ألكساندر بوث، من شركة استقصاء البيانات “كبلر”، إنه من غير المرجح أن تتمكن السعودية والإمارات من تلبية مجمل الطلب بنفسهيما، مشيرا إلى أن روسيا ستحتاج إلى زيادة إنتاجها أيضا.

وأضاف أن الخطر يكمن في أن صناعة النفط قد تجد نفسها تواجه اضطرابا إذا تعرضت الإمدادات لخطر على نحو غير متوقع في مكان آخر، مثل العنف في نيجيريا ، على سبيل المثال.

فهل يعني ذلك أنك قريبا ستدفع تكلفة أعلى مقابل ملء خزان سيارتك بالوقود؟

كمستهلك في المملكة المتحدة، يجب ألا يحدث فرق كبير لأن أحد أكبر العوامل المؤثرة في السعر الذي تدفعه مقابل البنزين هي معدلات ضريبة القيمة المضافة، وليس سعر البرميل.

بيد أن بوث قال إن المستهلكين في الولايات المتحدة وأماكن أخرى قد يكونون أكثر عرضة لتغير الأسعار خلال الأشهر المقبلة. وقد يلزم مراقبة رد فعل البيت الأبيض، الذي يهاجم منه الرئيس بالفعل ارتفاع أسعار النفط.

كيف سيكون رد فعل إيران على الأرجح؟

لا تملك إيران مساحة كبيرة للتفاوض. ولكن لديها ميزة واحدة وهي جغرافيتها.

يتعين نقل كميات هائلة من نفط العالم عبر مضيق هرمز الضيق، عند مدخل الخليج بالقرب من إيران، لذا لابد أن يمر كل ما يحتاجه النفط السعودي والإماراتي من إنتاج لتحقيق توازن مقابل خسارة الإنتاج الإيراني عبر هذا المضيق.

صورة بالقمر الصناعي لمضيق هرمزمصدر الصورةGETTY IMAGES
لابد من نقل كميات هائلة من نفط العالم عبر مضيق هرمز الضيق، عند مدخل الخليج بالقرب من إيران

وكانت إيران قد هددت مرارا بإغلاق مضيق هرمز، الذي يبلغ عرضه 33 كيلومترا عند أضيق نقطة له، وله قناة شحن بعرض ميلين فقط، وكرر قائد في البحرية الإيرانية هذا يوم الأثنين، بعد الإعلان عن إلغاء الاستثناءات الأمريكية.

لكن هل اتخذت إيران خطوة إغلاق المضيق بالكامل؟ لا. وهل من المحتمل أن تفعل ذلك؟ والجواب مرة أخرى، لا.

يقول مايكل كونيل، مدير برنامج الدراسات الإيرانية التابع لمركز التحليل البحري في ولاية فرجينيا الأمريكية : “ثمة شكوك في أن يحاول الجيش الإيراني بالفعل إغلاق المضيق لسببين”.

وأضاف : “أحدهما هو أن الاقتصاد الإيراني يعتمد بشدة على تدفق التجارة عبر المضيق، والذي من المفترض إذا حدث مثل هذا السيناريو أن يكون مغلقا أمام الشحن الإيراني. ثانيهما هو أن اتخاذ مثل هذه الخطوة سيتيح للولايات المتحدة وحلفائها في التحالف وشركائها من دول الخليج على سبيل المثال لا الحصر ذريعة شن حرب، والتي ستنتهي بدون شك إلى سوء الوضع بالنسبة لإيران، على الرغم من أن كل الأطراف المعنية ستعاني من عواقب”.

وأضاف كونيل أن الأمر الأكثر جدوى هو إجراء تدريبات الذخيرة الحية والذي من شأنه أن يغلق المضيق بشكل فعال.

وقال إن عمل ذلك “سيسمح لطهران بأن تعزز الضغط، إذا جاز التعبير، دون أن يؤدي بالضرورة إلى شن حرب”.

اضف رد