panneau publicitaire maroc decoupe laser casablanca imprimerie casablanca imprimerie casablanca imprimerie maroc objet publicitaire maroc

الموسيقى في الفلسفة اليونانية فيتاغورس، العالم عدد ونغم

الكاتب: المصطفى عبدون.

شكلت العلاقة بين فلسفة الموسيقى موضوعا هاما للباحثين المعاصرين حيث عرض “جوليوس يورتنوى” في كتابه “الفيلسوف وفن الموسيقى” العلاقة بين آراء الفلاسفة وتطور الموسيقى على مر العصور، وذلك لأنه من المألوف أن تجد دراسات تكتب عن فلسفة الموسيقى، أو عن آراء فلاسفة معينين أو مدارس فلسفية خاصة في الموسيقى؛ أما تأثير الفلسفة ذاتها في مجرى الموسيقى، فهو موضوع لم يكتب فيه الكثير من قبل، ولعل السبب الأكبر في ندرة ما كُتب عن هذا الموضوع هو الاعتقاد الذي يسود عند معظم الأذهان، بأن تطور الموسيقى سار مستقلًا عن أفكار الفلاسفة ولم يتأثر بها على الإطلاق.

إن أقدم معرفة لنا بالموسيقى في الحضارة الغربية ترجع إلى كتابات الفلاسفة اليونانيين على الرغم من أنه ظهرت آراء لدى حكماء الشرق قبل العصر الذهبي لليونان بوقت طويل، غير أن فضل الفلاسفة اليونانيين إنما يرجع إلى تنظيمهم للنظريات الموسيقية الموروثة عن أسلافهم، وبذلك خلّفوا لنا تراثًا من الفلسفات الموسيقية القديمة، بل إن أصل كلمة «الموسيقى» ذاتها ترجع إلى اليونانية. كان يُنظر إليها في الأصل بطريقة شبه أسطورية على أنها فن أوحت به مباشرة وخلقته ربة الفن “موزي Muse”.

قبل فيثاغورس كانت الموسيقى في العالم الغربي، تغنى بشكل حدسي وتلقائي بدون أساس موسيقي نظري ورياضي، إلا أنه وفي القرن السادس قبل الميلاد، اكتشف فيثاغورس، الفيلسوف وعالم الرياضيات، القانون المادي الأساسي للموسيقى فيما يتعلق بسحر الأرقام في إنتاج الأصوات المتناغمة. فيثاغورس (570 – 495 ق.م)، مؤسس المدرسة الفيثاغورية التي أرسى قواعدها وقادها، كان عالم رياضيات وفلك، فيلسوف في اليونان القديمة، أشهر وارتبط اسمه بين الإغريق على الإطلاق بالموسيقى. اعتبرت أميرة حامي مطر ضمن كتابها “فلسفة الجمال”: “أن فيثاغورس كان يمارس الموسيقى، وقد انتهي من تحليل الموسيقى إلى وضع تفسير عددي لأنغامها، وفسر التوافق الموسيقي أو الهرموني بأنه يرجع إلى وجود وسط رياضي بين نوعين من النغم، بل استطاع فيتاغورس أن يطبق نظريته في توافق الأصوات أو الهرموني على الأجرام السماوية”.

رأى فيثاغورس أن كل شيء في الكون تحكمه نسبة ما وأن هذا الكون جميل وحكيم. ولذلك، فكل النسب أو الأعداد التي تحكمه، هي نسب بسيطة وجميلة كالتي تنشأ عنها نغمات جميلة عند العزف على الآلات الوترية.
دعمت مدرسة فيثاغورس فكرة العلاقة بين الأعداد ونظام الكون، وقامت بربط الرقم بالموسيقى انطلاقا من فكرة انسجام الصوتين اللذين يتم عزفهما معًا في وقت واحد أو بصفة متتالية، ويمكن تفسير ذلك رياضيا، مما يؤكد أن الموسيقى والأرقام مرتبطتان بقوانين موسيقى الانسجام، وهي علاقة تآلف الأصوات ونسب تردداتها.

تعتبر المدرسة الفيثاغورية أن هناك صفة واحدة عامة في كل شيء هو العدد، فكل شيء جسماني أو غير جسماني له صفة العدد، وبعبارة أخرى: لا يمتاز شيء عن شيء إلا بالعدد، فالعدد هو جوهر الوجود وحقيقته.. العدد صفة لازمة لا تزول إلا بزوال الأشياء نفسها. فكرْ في كل شيء تَرَ العدد له أساسًا، فنسبة الأشياء بعضها إلى بعض عبارة عن عدد، فإن قلت إن هذه الشجرة أطول من تلك كان معنى ذلك أن الوحدات الطولية في الشجرة الأولى أكثر عدداً من وحدات الشجرة الثانية، وهذا النظام الذي يشمل الكون هو في حقيقته عدد أيضاً، ثم استمع إلى نغمات الموسيقى وفكر في أمرها تجدها عدداً كذلك؛ لأنها ليست في الواقع إلا موجات صوتية واهتزازات وترية تُقاس بوحدات معروفة في علم الصوت، وقارن بعضها ببعض بعدد تلك الوحدات. لم تتردد المدرسة الفيثاغورية بعد ذلك في اعتبار العدد أساساً للكون وأصلاً لمادته، فكل ما تقع عليه عيناك مركب من أعداد.
تحولت الموسيقى إلى مكون فلسفي حيوي في برنامج حياة وتفكير الفيثاغوريين، ليس فقط بسبب تطويراته للمقامين الكبير والصغير واكتشافه للقرار والجواب، بل كذلك لأنه أسس شبه ديانة تقوم على تقديس الأرقام واعتبار أنها أساس النظام الكوني. عملت المدرسة الفيثاغورثية على أنّ العالم مبني على التناغم، حيث جمعت بين الرياضيات والموسيقى، لذلك نظر الفيثاغوريون إلى الأرقام والهندسة بوصفها الأساس المتناغم والمتناسق لكل الأشياء الطبيعية وفق التناغم الموسيقي. ومن ذلك المنطلق، كانت الموسيقى قديماً توضع مع العلوم الأربعة (الفلك والهندسة والحساب).

يبدأ كل شيء باكتشاف وجود علاقة بين طول السلسلة الاهتزازية ودرجة الصوت المنبعثة. فتاريخ الموسيقى هو أولاً وقبل كل شيء تاريخ النوتات الموسيقية حيث شرح فيثاغورس تناغم الأصوات من خلال الرياضيات، تقول الرواية أن فيثاغورس كان يعزف ذات مرة على آلة وترية تتكون من وتر واحد مشدود فلاحظ كيف يختلف النغم الخارج من الآلة عندما يضع تحت الوتر شيئا ما، وعندما يعزف على الوتر حرا بدون شيء. للحصول على أصوات متناغمة، يقدم مطلق الوتر (الوتر الحر الكامل) الصوت الأساسي الذي يعمل بمثابة الصوت المرجعي.

اكتشف فيتاغورس قرار السلم وجوابه من خلال وضع الأصبع في منتصف الوتر تنتج نغمة تماثل النغمة الأصلية المنبعثة من مطلق الوتر لتكون نسبة الأوكتاف (المسافة بين القرار والجواب) 2/1، تم بنفس الطريقة وللحصول على أصوات متناغمة، تكون نسبة خامس الصوت الأساسي 3/2، بينما الرابعة من الوتر، وعلى نفس النحو فنسبتها 3/1. لذلك كان فيثاغورس أول من أسس التوافقات الأربعة الأساسية للمقياس الموسيقي المتناغم قرار السلم (نسبة 1/1) أوكتاف (2/1)، الخامسة (3/2) والرابعة (3/1). كان ينظر إلى الصوت الثامن والرابع والخامس على أنها أصوات متوافقة، على حين أن الثالث والسادس أصوات متنافرة أي غير متوافقة.

وحسب “بناصر البعزاتي” ضمن مقاله “مفاصل التفاعل بين المعارف”: “فمن حيث طبيعة التناغم، يؤكد المذهب الفيثاغوري على كون الكُسمُس نسقا من العلاقات العددية المتناسبة والمنسجمة، يمكن أن يعبر عنه بالنغم الموسيقـي.. فهناك تأكيد على مبدأ التناغم الذي يسود الكون، وهناك تعابير مختلفة عن هذا التناغم. فالفيثاغورية تعتبر اللحمة التي تشد البناء الكسملوجي من طبيعة عددية وموسيقية نظرا لتكوينها في العلوم الرياضية؛ وترى كل شيء محكوما بمقاييس عددية وتناسبات مضبوطة، هي التي توفـر التناغم والانسجام. إذ عندها أن أوضاع الأجرام السماوية وحركتها ومقادير الأشياء في الكون بنسب متناسقة، فهناك “تناغم الأفلاك السماوية وحركاتها”، التي يمكن التعبير عنها بالتناسبات الموسيقية، لأن كل حركات الأجرام لابد أن تكون لـها أصوات، ولأن الحركة تنتج تلامس الأجسام فيما بينها”.

يقول أرسطو: “لقد عني الذين عرفوا بالفيثاغوريين بالرياضيات، وكانوا أول من افترض أن مبادئ الرياضة هي أيضا مبادئ جميع الأشياء.. ولما لاحظوا أيضا أن الخواص والنسب التي تحدد الأنغام تعتمد على الأعداد. فقد اقتنعوا بأن مبادئ العدد هي مبادئ كل شيء توصلوا إلى أن السماء كلها ماهي إلا ائتلاف وعدد” واعتبر أرسطو أن الفيثاغوريين “رأوا أن من الممكن التعبير بالعدد عن تغييرات السلالم الموسيقية ونسبها. ولما كانت كل الأشياء الأخرى تبدو في طبيعتها الكاملة مصوغة في قالب الأعداد، ولما كانت الأعداد تبدو أول الأشياء في الطبيعة بأسرها، فقد اعتقدوا أن عناصر الأعداد هي عناصر الأشياء جميعا وأن السماوات كلها سلم موسيقي وعدد.

فمن الصعوبات التي ينطوي عليها هذا النص هو تحديد صلة الأعداد بالأشياء الطبيعية. هل هي صلة مشابهة أو محاكاة أم أن الأعداد متحدة مع الأشياء ومباطنة لها؟ حسب أميرة حلمي مطر، (الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها) “رجح أغلب المفسرين أن تكون صلة المحاكاة أسبق من صلة المباطنة عند الفيثاغوريين الأوائل واستندوا في رأيهم هذا على رواية “ثيانو Theano” زوجة فيثاغورس التي تنسب إليها رسالة ذكرت فيها أن الإغريق قد رؤوا عن فيثاغورس أنه قال أن الأشياء مصنوعة من الأعداد في حين أنه قال أن الأشياء مصنوعة وفقا للأعداد. على أن أغلب الباحثين رجحوا أن يكون الفيثاغوريين قد قالوا منذ البداية بكلتا النظريتين”.

يعتبرفيثاغورس مؤسس العلم الرياضي عند اليونان، أن العدد هو مبدأ الأشياء جميعًا وأصول طبائعها، فهو العلة والحقيقة المفسرة للموجودات وجميع الأشياء سواء منها المحسوسة أو المعقولة وليست المادة، فالعدد هو الحقيقة المعقولة المفسرة كذلك لظاهرة الصوت المحسوسة. وقد توصل إلى هذا المبدأ نتيجة لدراساته الموسيقية، إذ أدرك أن تنوع الألحان الموسيقية واختلافها، إنما يتوقف على أطوال الأوتار في الآلات العازفة؛ فاستنتج أن التوافق أو الانسجام الموسيقى تحدده نسب رياضية مضبوطة تترجم عن هذه الأطوال وتعين طبقة اللحن الموسيقي.

لعبت الأعداد الكاملة وفق التناغم الموسيقيّ دوراً في الفلسفة الفيثاغورية، وقد شيّدت هذه الفلسفة الكون بأكمله عليها من خلال دعوى فيثاغورس القائلة بأنّ “كلّ شيء عدد”. وائتلاف تلك الأعداد التي تشكل الأساس “القانوني” لبنية الكون، يقوم بدوره على التوافق الحاصل في تركيبة النغم، وبالتالي يغدو التناسق الكوني قائما على أساس تناغم عددي. جوهر الكون أعداد رياضية تتركز كلها في الواحد، وأنت ترى من ذلك أنهم خطوا بالفلسفة خطوة جديدة نحو التفكير المجرد، فبدأت الفلسفة منذ ذلك الحين تتحلل بعض الشيء من تلك النزعة الطبيعية (الفيزيقية) التي سادت عند فلاسفة يونان لتستقبل صبغة جديدة -هي صبغة الفلسفة في أصح معانيها- أعني التفكير المحض فيما وراء الطبيعة وظواهرها، ولئن كان مجهود المدرسة

الفيثاغورية في ذلك الانتقال ضئيلاً مملوءاً، بالأوهام فإن الفلسفة مدينة لهم بالمحاولة الأولى في ذلك على كل حال.

(*) مهندس إحصائي ومهيء حضاري، باحث في فلسفة الموسيقى، إطار بمديرية السكنى بقطاع الإسكان وسياسة المدينة.

اضف رد