أخبار عاجلة:
panneau publicitaire maroc decoupe laser casablanca imprimerie casablanca imprimerie casablanca imprimerie maroc objet publicitaire maroc

الوحدة الحزبية ومسألة التيارات

الاستاذ حسن السوسي كاتب مغربي

تعتبر المسألة التنظيمية من أهم المشاكل التي اعترضت وتعترض أحزاب اليسار الديمقراطي، في بلادنا. بل إنها كانت، دومًا، في مركز صدارة الكثير من الخلافات التي عصفت ببعضها، خلال العقود الأربعة الماضية. وما الانشقاقات المتعددة التي عرفتها تلك الأحزاب، في بعد من أبعادها، إلا التعبير عن هذه المعضلة، وعدم قدرة الأحزاب التي تعيشها على حلها، بالشكل المطلوب وفي الوقت المناسب. ولم يكن ليغير شيئا، من هذا الوضع، امتلاك الأحزاب المعنية لترسانة من البنود التنظيمية الداخلية من المفترض فيها مساعدتها على حل أزماتها التنظيمية، وفق مساطر محددة، ومنع استفحالها وانزلاقها إلى انشقاقات لا رجعة عنها. تؤدي بكل تأكيد إلى إضعافها والنيل من نفوذها ومكانتها السياسية في نهاية المطاف. وليس مفيدًا في شيء، بل ولا معنى لكل الشعارات التي ترفعها الأحزاب السياسية عندما تكون عرضة للانقسام التنظيمي من أنها أصبحت أقوى من أي وقت مضى، لكونها قد تحررت من تيارات دخيلة على مبادئها وأخلاقها السياسية والتنظيمية. كما لا يفيد في المقابل، ما تعلنه القوى “المنشقة” من أنها تخلصت من القيادة البيروقراطية أو الوصولية التي تعرقل مسيرة الحزب نحو آفاق جديدة في إعطاء نفس جديد للتنظيمات المستحدثة، إذ غالبا ما تحمل معها، إلى هيئاتها الجديدة، الكثير من القيم والممارسات التي زعمت أنها وراء “انتفاضتها التنظيمية” وتركيز جهودها على بناء حزب جماهيري حقا، يستطيع ضبط إيقاع مسيرته النضالية على وتيرة نبض الشارع وتطلعات أوسع فئات الشعب نحو النمو والازدهار.

وفي كل الأحوال، فإن عدم تفعيل تلك البنود، بالشكل المطلوب، قد ترافق، أيضًا، مع اللجوء إلى استخدام بعض البنود القصوى، حتى دون استنفاد كل الخطوات الضرورية للبت في النزاعات التنظيمية وفق بنود ومواد القوانين التنظيمية العادية. وفي الواقع، فإن حضور الأوراق الحمراء وتجميد العضوية والتخوين والطرد من الحزب علاوة على إقامة المجالس التأديبية المعروفة النتائج بشكل مسبق، في حق المنتسبين إليه، بديلًا عن الحوار الداخلي الهادف إلى توضيح الرؤية وإبراز الأسباب الحقيقية حول اعتماد هذا التكتيك أو ذاك، لتدبير المرحلة السياسية، بما في ذلك عند اضطرار القيادة إلى إدخال تعديلات على هذا البند أو ذاك من بنود البرنامج السياسي، للتكيف مع مستجدات سياسية وتمكين الحزب من استعادة المبادرة السياسية أحيانًا، دليل بذاته على حقيقة المعضلة التنظيمية التي تتخبط فيها تلك الأحزاب، بغض النظر عن كونها أو عدم كونها مختزلة في التوصيف الذي يحاول أطرافها التركيز عليه لتبرير سلوكها الخاص منها في موضوعها وسياقها، في آن واحد.
لكن ينبغي التأكيد، أيضًا، على أن الكثير من تلك الخلافات، التي تبدو تنظيمية، ليست في عمقها إلا التجليات الملموسة لخلافات أخرى، قد تكون ذات بعد سياسي إيديولوجي، كما قد تكون مجرد نزاعات على الزعامة والوجاهة في الحزب والمجتمع، وليس مستبعدًا، بطبيعة الحال، قيام جهات منظمة أو غيرها بدور التحريض لحسم الموقف في هذا الاتجاه أو ذاك. وهو ما لا يحدث من فراغ مطلق وإنما هو نتيجة حضور الأزمة التنظيمية داخل الهيئة السياسية المعنية، مما أعطى لإمكانية التحريض السبب الأساسي في الوجود وإمكانية التأثير ربما في كل الاتجاهات على مختلف أطراف الأزمة. غير أن هذا لا ينفي أن المسألة التنظيمية تطرح، بين فترة وأخرى، في صيغ تنظيمية تستهدف تمكين الأحزاب من الفعالية الضرورية في إقرار البرامج وتنفيذها أو ضمان الحد الأدنى من الحياة الديمقراطية الداخلية أو الاتساق والتناغم في المواقف المعلنة. وهو ما يؤشر عليه كل الجدل الذي يثار عادة حول المركزية الديمقراطية وكل القضايا المرتبطة بالعلاقة بين القيادة والقاعدة أو بين الحزب السياسي وعموم الجماهير، وخاصة منها تلك التي تصنف عادة من بين الأوساط الداعمة له في مختلف المعارك الاجتماعية والسياسية.

ولعل من بين المعضلات التنظيمية التي تؤدي إلى القطيعة بين التوجهات والحساسيات المختلفة داخل الجسد التنظيمي الواحد، التعامل مع القضايا الفكرية الإيديولوجية والسياسية والبرنامجية كما لو كانت كلا متجانسًا، وأن الموقف منها بالتالي موقف واحد لا يقبل النقاش. الأمر الذي يفرض نظريًا على الحزب أن يكون صوتًا واحدًا لا يقبل التعدد في أي مستوى من مستوياته. وفي هذا مقتل حقيقي لكل تنظيم سياسي يتبنى هذه الرؤية المنافية لطبيعة الحياة والعلاقات البشرية لأن التنظيم السياسي هو كائن حي تسري عليه قوانين التعدد والاختلاف، ولا يجر عليه التفكير بالماهيات الخالصة غير الدمار في نهاية المطاف.

ينبغي إذن التمييز بين القضايا الفكرية والسياسية والبرنامجية، أي بين القضايا المطروحة للإنجاز الفوري وبين قضايا المستقبل المنظور أو البعيد.
أي لابد من تعيين قضايا يكون النقاش فيها حرا، إلى أقصى الحدود، وهي القضايا النظرية العامة، لانها تفتح الأفق أمام الجديد، وبين القضايا البرنامجية المطروحة للإنجاز والتي ينبغي أن تظل واحدة وأن تخضع لمساطر محددة عندما يستجد ما يدعو إلى إعادة النظر فيها، بما في ذلك إمكانية التخلي عنها، مؤقتا أو بشكل دائم، وهو ما تتكفل به المؤتمرات العادية أو الاستثنائية أو عبر الندوات الوطنية التي تعقد للبت في هذا النوع من التوجهات الطارئة.

تجدر الإشارة هنا إلى ظهور دعوات إلى بناء بعض الأحزاب على قاعدة التيارات، لأن هذا يلبي أمرين في آن واحد: الاعتراف بالتعددية الفكرية والتصورات السياسية من جهة، وتمكين هذا الاعتراف بمقومات الوجود من جهة أخرى، والمحصلة تكون، في الغالب، لفائدة تعزيز ما هو مشترك بين تيارات الحزب الواحد وتمكينه من حيوية النقاش والتداول حول قضايا الخلاف باعتبارها رأسمالا مستقبليًا قد يساهم في تعزيز وحدته وفعاليته معًا .

ويبدو لي أنه من الضروري التمييز بين حالتين أساسيتين لكل منهما تبعاتها ومضاعفاتها، على العمل السياسي المنظم. وبالفعل فهناك تباين واضح بين قدرة تيارات فكرية وسياسية أو حساسيات سياسية تنتمي إلى عنوان إيديولوجي واحد، على التنسيق بينها، في مرحلة أولى، وتشكيل جبهة أو حزب يجمع بينها، في مرحلة ثانية، بحيث يحتفظ كل تيار باستقلاله النسبي، وهو ما يتم التعبير عنه بالأرضيات المختلفة التي تقدم إلى المؤتمرات التي تعقدها القوى المنضوية تحت عنوان حزبي أو جبهوي واحد، ليتم اختيار إحداها دون الأخريات، أو الوصول إلى تبني صيغة تركيبية جديدة لأرضيات يمكن دمج بعضها في البعض الآخر، وبين حزب سياسي واحد يعرف تحولات داخلية يرى البعض أنها تستدعي إقامة التنظيم على أساس منابر أو تيارات، في حين أن البعض الآخر يرى أن كل حديث عن تيارات تنظيمية داخل الحزب الواحد، ليس غير تعبيد لطريقه نحو الانفجار عندما يتضخم هذا التيار أو ذاك، ويحاول فرض هيمنته المطلقة على باقي التيارات.

وينبغي الاعتراف هنا أن لمسألة الأرضيات المتنافسة جوانبها السلبية بطبيعة الحال، ولعل أهمها أن يكون أصحابها يصدرون عن مواقف إقصائية انعزالية أو انفصالية، في بعض الأحيان، فيؤسسون، من خلال تلك الأرضيات، لانشقاق في المستقبل، كما دلت على ذلك تجربة حركة 23 مارس اليسارية المغربية، في بعض من محطاتها، وتجربة منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، على سبيل المثال وليس الحصر.
وهذا ما يستدعي القول إن الأرضيات المنتجة للفعل السياسي الإيجابي هي التي تؤطرها رؤية شاملة لمجمل الوضع داخل الحزب والمجتمع المعنيين، لأنها تمنحهما أسباب القوة والفعالية التي دونهما لن تكون لها أي أهمية تذكر، بالنسبة للحزب بالتأكيد، وبالنسبة للمجتمع بالتبعية.
أما الأرضيات التي تؤطرها الرؤى الانعزالية، فإنها لا تحفر قبر وحدة الحزب السياسي فحسب، وإنما تساهم، أيضًا، في تفكيك عرى الوحدة داخل المجتمع وتكرس أسباب التنازع والتشرذم بمختلف أشكالهما ونجلياتهما على أرض الواقع.

غير أن هذا لا يعني موقفا سلبيًا مسبقًا من إعلان الاختلاف في الرأي ودفاع الجماعة، التي تشترك في عدد من القيم والمبادئ والسياسات، عن رأيها بكل ما يمكن من الحجج السياسية والفكرية الضرورية، وإنما يعني الحرص على أن يكون ذلك ضمن إطار قادر على الدفع بالوحدة التنظيمية إلى الأمام أساسًا، عبر تفاعل الحزب مع الجديد على المستويات الفكرية والتنظيمية من جهة، وعدم فقدان بوصلة العمل على بناء المشترك القابل للحياة والتطور.

اضف رد