أخبار عاجلة:
panneau publicitaire maroc decoupe laser casablanca imprimerie casablanca imprimerie casablanca imprimerie maroc objet publicitaire maroc

بيان الهدى من الضلال فى الرد على دعوة محمد الرفيقي “المساواة بين الذكر والأنثى في الإرث هو عين الظلم “

إعداد وتقديم : جمال السوسي

طلع علينا هذه الأيام المدعو  محمد عبد الوهاب الرفيقي بدعوة يؤكد فيها المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث، وكثير من الحداثيين ينادون بنفس الطرح رغم فساده، ويعود هذا الأمر إلى الجهل بنظام الإرث جملة وتفصيلا .

لقد صاحب هيمنة الحضارة المعاصرة ذات البعد الغربي فكرياً وثقافياً وسلوكياً محاولات عديدة للسعي إلى تسويق قيم تلك الحضارة من خلال ترويج فكرة العالمية – خاصة في جانبها الاجتماعي والسلوكي – وقد قامت هيئة الأمم المتحدة بأنشطة متعددة في هذا المجال، وذلك بعقد الندوات والمؤتمرات العالمية واستصدار الوثائق حيال العديد من القضايا الاجتماعية المتعددة .

وكان من أهم القضايا المطروحة في المؤتمرات والمواثيق المشار إليها قضايا المرأة والأسرة، باعتبارها من القضايا التي تثار في كل المؤتمرات المذكورة سلفاً، وتكاد تكون القاسم المشترك بينها جميـعاً، الأمر الذي يجعل هذه المؤتمرات من محطات النقاش والاختلاف بين الفكر الغربي والتصور الإسلامي فيما يتعلق بهذه القضايا.

والحق أن كثيراً من القضايا التي تناولتها تلك المؤتمرات هي من الموضوعات التي يتفق فيها الشرع الإسلامي مع الشرائع السابقة وما وصل إليه الضمير الغربي المتحضر، سواء كان هذا الاتفاق بتأييد مقررات تلك المؤتمرات أم برفضها.

وتبقى قضايا أخرى يرفضها الإسلام ويأباها، بينما يرى الغرب في تأييدها ضرورة، ومن ثم يظهر التباين بين رؤية الإسلام وبين الفكر الغربي فيما يتعلق بهذه القضايا ونرى أن هذا التباين – غالباً – ما ينشأ نتيجة اختلاف الفهم لقضية المساواة بين الرجل والمرأة، أما ما يتفرع عن هذه القضية من موضوعات فهو متعدد، نعرض منه لموضوع هو ارتباط وثيق بنظام الأسرة، الموضوع هو ميراث المرأة.

نأتي هنا إلى موضوع الإرث ( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ … : النساء 11 ) وهو ليس من تقليل بقيمة النساء , ولكن كون أن الرجل هو الذي يقوم بالصرف على أسرته وأعباء العمل , والمرأة ولو عملت فلها أن تشارك بمصروف الأسرة أو لا تشارك حسب الوضع المادي للأسرة وكونها تقوم بأعباء المنزل وهو وقت ليس بقليل ويحتاج إلى جهد كبير , وتجد في كثير من المجتمعات حتى الغربية منها أن المرأة تتقاضى دخلا أقل من الرجل , وتحتاج إلى إجازات خلال العمل أثناء الوضع والرضاعة والرعاية . لذلك ترك الله سبحانه وتعالى موضوع الوصية لمن رأى أن في أولاده من يحتاج إلى تعديل في توزيع الإرث .

ومن المعلوم أن نظام الإرث يفتقد إلى عنصر المساواة حتى بين الذكور أنفسهم لحكمة ربانية، لكن مع ذلك يعتبر نظاما عادلا لأنه صادر عن الخالق سبحانه وتعالى، والفرق بين المصطلحين واضح، فالمساواة تقتضي التسوية بين شيئين في الحقوق والواجبات.

 أما المساواة فأكثر ما جاءت في القرآن الكريم جاءت بصيغة النفي، ومن ذلك قوله سبحانه :” قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ” )الزمر/9 (،”قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ” )الرعد/16( ، ” لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ” )الحديد/10 (،”لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ” )النساء/95.

ثم ما لا يعلمه الأخ عبد الوهاب محمد رفيقي أو ابو حفص أن التمايز في الميراث لا تحكمه الذكورة والأنوثة بل يخضع لثلاثة معايير :

أولا : درجة القرابة بين الوارث _ بغض النظر عن جنسه _ وبين المتوفى فكلما اقتربت الصلة زاد النصيب في الميراث .

ثانيا : الأجيال التي تستقبل الحياة عادة يكون نصيبها أكثر من الأجيال التي تستدبرها لذا كان نصيب البنت أكثر من نصيب الأم وكلاهما أنثى ونفس الأمر ينطبق على الابن والأب وكلاهما ذكر .

ثالثا : العبئ المالي الواجب على الوارث وهو المعيار الذي يثمر التمايز بين الجنسين، فالأصل أن إنفاق الرجل على زوجته وأخته التي لا معيل لها نفقة واجبة، وهو من يجب أن يدفع المهر لزوجته .

مع ذلك فالحالات التي الرجل ضعف المرأة لا تتجاوز أربع حالات :

1– البنت مع إخوانها الذكور ، وبنت الابن مع ابن الابن .

2– الأب والأم ولا يوجد أولاد ولا زوج أو زوجة .

3– الأخت الشقيقة مع إخوانها الذكور .

4– الأخت لأب مع إخوانها الذكور .

أما الحالات التي ترث فيها المرأة كالرجل تماما فكثيرة منها :

1– الأب والأم في حالة وجود ابن الابن ، فترث الأم السدس والأب مثلها تماما .

2– إذا توفيت امرأة وتركت زوجا وأخت شقيقة فقط فلكل منها نصف التركة .

3– إذا توفيت امرأة وتركت زوجا وأختا لأب فلكل منهما نصف التركة.

4– البنت مع عمها أو أقرب عصبة للأب ( مع عدم وجود الحاجب ) .

5– وجود متعدد من الإخوة لأم فقط يؤدي بهم إلى اقتسام الثلث بالتساوي دون تفضيل للذكر على الأنثى .. والحالات كثيرة لا تقتصر على الخمسة المذكورة .
وهناك حالات ترث فيها الأنثى أكثر من الذكر وهي كثيرة جدا ومنها :

1– مات شخص عن بنت وأخوين شقيقين ذكرين فللبنت النصف وللشقيقين الباقي تعصيبا أي لكل منها الربع وبالتالي مصيب الأنثى أكثر من الذكر .

2– مات شخص عن بنتين وعمين شقيقين، فللبنتين الثلثين وللعمين الثلث تعصيبا أي أن كل بنت لها الثلث ولكل عم السدس أي نصف الثلث .

3– ماتت زوجة وتركت زوجا وابنتا فللزوج الربع وللبنت ضعفه أي النصف .

4– البنت مع عمين فأكثر فلها النصف ولهم النصف يقتسمونه .

5– توفي رجل وترك ابنة وأب وأم فللابنة النصف وللأم السدس وللأب السدس فرضا وما بقي تعصيبا وفي المحصلة سيرث الأب أقل من البنت .

ومما يغيب عن الذين لا اطلاع لهم على نظام الإرث في الإسلام أن هناك حالات ترث فيها المرأة ولا يرث فيها الرجل بالمرة وهي كثيرة ومن ذلك :

1 – توفي شخص وترك بنتا وأختا وعما، فللبنت النصف وللأخت النصف ولا شيء للعم لأن الأخت مع البنت تمنعه من الميراث .

2– توفي شخص عن بنت وأخت شقيقة وأخ لأب فللبنت النصف وللأخت الشقيقة النصف ولا شيء لأخ لأب .

3 – إذا ماتت امرأة وتركت زوجا وجدا وأما واخوة أشقاء واخوة لأم: فللزوج النصف ، وللجد السدس ، وللأم السدس ، وللاخوة الأشقاء الباقى ، ولا شىء لأخوة الأم، فورثت الأم وهي أنثى ولا يرث الإخوة لأم وهم ذكور.

بعد كل هذا يتضح أن نظام الإرث مبني على الحكمة الربانية وليس على العبث، وأن نصيب المرأة يتفاوت بحسب الحالات فقد ترث أكثر أو أقل أو بالتساوي مع أخيها الرجل وأحيانا تحجبه فلا يرث معها شيئا .

فدعوة رفيقي إلى المساواة في الميراث بين الرجال والنساء، لأمر عجاب يتناقض تماما مع ماضيه الخارجي المتشدد.

ويعلم أيضا أن المملكة المغربية الشريفة ، البلد المسلم محافظ حيث لا ترث النساء سوى نصف ما يرثه أقرانهن الذكور بموجب الشريعة الإسلامية، والعجيب أنه  أصبح رفيقي الملقب بــ “أبو حفص” من الأصوات الداعية إلى المساواة في الميراث، في ما يراه البعض تناقضا صريحا مع القرآن الذي ينص على أن “للذكر مثل حظّ الأنثيين” في الميراث.

ومحمد عبد الوهاب الرفيقي البالغ من العمر 43 عاما طلب العمل الشرعي ولم يريد الله به خيرا بإعتناقه هذه الافكار، حكم عليه بالسجن ثلاثين عاما، لكنه أجرى في سجنه مراجعات فكرية شاملة، وتحول إلى مواقف معاصرة بعيدة عن العنف، جعلت السلطات المغربية تصدر عفوا عنه في العام 2012.

وهو الآن ضمن مجموعة من الكتاب والصحافيين والفنانين دعوا في كتاب جماعي نشروه في منتصف أبريل الماضي لإعادة النظر في أحكام الميراث.

يرى محمد عبد الوهاب الرفيقي أن آيات الميراث في القرآن جاءت في بنية اجتماعية كان فيها الرجل هو العنصر الفاعل، وأن التغيرات التي طرأت على دور المرأة والرجل في المجتمعات المعاصرة “تلزمنا بأن نعيد النظر في هذه المنظومة” وتحديد “إن كانت ما زالت تحقق القيمة العليا التي دعا لها الإسلام وهي العدل”.

ويقول “التشريعات الجزئية (مثل تشريعات الميراث) ما هي إلا تشريعات متفرعة عن قيم ومقاصد كبرى جاء بها الإسلام والتي من أهمها وأعظمها العدل”.

ويلاقي موقف الرفيقي ترحيبا من كثير من وسائل الإعلام التي رأت أنه يساهم في إحراز خطوة كبيرة في مجال المساواة.

ورغم أن النقاش حول المساواة بين المرأة والرجل ليس جديدًا في المغرب، وترجع بعض فصوله إلى ما كان يُعرف بـ”خطة إدماج المرأة في التنمية” قبل 15 عامًا عندما حدث انقسام في الشارع بين الحداثيين والإسلاميين على هذا المفهوم، إلّا أن التقرير الذي أصدره المجلس أعاد النقاش من جديد إلى الواجهة، وذلك في بلد يحثّ دستوره على السعي إلى المناصفة بين الرجال والنساء، كما يؤكد كذلك أن الإسلام هو دين الدولة ؟!.

وكان الداعية  محمد الفزازي، أحد الوجوه الإسلامية المعروفة بالمغرب، ندّد بهذه الدعوة، ووصفها في تصريحات لوسائل الإعلام الوطنية والدولية بـ”وصمة عار” على من أطلقها، معتبرًا أنها “اعتداء على الله وعلى ثوابت الدين الإسلامي، وتعطي الفرصة للإرهاب وللغلو في الدين أن يظهرا ردًا عليها”، مبرزًا أن “المجتمع المغربي آمن ومستقر ولديه مؤسسات خاصة بالإفتاء في الدين، ولا يحتاج لمثل هذه الدعوات التي تحاول تخريب الدين”.

وأضاف الفزازي” الإرث يمسّ الأسرة والإخلال به إخلال بها، ولا يمكن أن نجهز على ما تبقى من أحكام الإسلام بمبرّر أننا لم نعد نطبق الشريعة”، متابعًا: ” من يقول إن الظروف تغيّرت وإن المرأة أضحت تعمل جاهل بالتاريخ، فالمرأة كانت تشارك على الدوام في الجهاد والتجارة والعلم والحديث والدراسة والتعليم وزرع الحقول ومع ذلك لم تخرج هذه الدعوات، فالمسألة مسألة إيمان بشرع الله وعلمه وأحكامه”.

وموقف ابو حفص هذا كان له ثمن باهظ، فقد تعرض لهجوم واسع على مواقع التواصل، وتلقى تهديدات بالقتل، وطرد من منظمة لعلماء الدين في المغرب، وانتقادات غاضبة من الأوساط السلفية في البلاد. وهاجمه الداعية محمد الفزازي بالقول “أبو حفص لم يقلب معطفه بل مزقه ومزق سرواله كذلك”. 

أما حسن كتاني أحد الدعاة إلى  السلفية في المغرب فقال “زعم تافه أن مناقشة المساواة في الإرث لم تعد خطا أحمر، بل هي خط أحمر غليظ”.

لكن أبو حفص شدد في حديث لوكالة فرانس برس على أن مسألة الميراث ينبغي أن تخضع للتغيرات التي تطرأ على المجتمع، داعيا الفقهاء وعلماء الاجتماع ونشطاء حقوق الإنسان إلى فتح نقاش حول هذه المسألة يكون أساسه تحقيق العدل. وقال “لقد تعرضت للتهديد بالقتل، والطرد، لكنني في المقابل تلقيت الكثير من رسائل المساندة”.

جدير بالذكر أنه رغم مصادقة مجلس النواب المغربي مؤخرًا على البروتوكول الاختياري لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ورغم أن مدونة الأسرة المغربية جرى تعديلها قبل سنوات بما تناسب مع عدد من المطالب الحقوقية، إلّا أن ناشطات الحركات النسائية المغربية لا زلن يطالبن بحقوق أكبر، ومن ذلك رفع كل أشكال التجريم عن الإجهاض، والمساواة الكاملة في الإرث، ومنع التعدد بشكل تام، وتحقيق المناصفة في المناصب السياسية.

اضف رد