panneau publicitaire maroc decoupe laser casablanca imprimerie casablanca imprimerie casablanca imprimerie maroc objet publicitaire maroc

رحيل ليس ككل رحيل

حسن السوسي

ما كنت لأصدق ما جرى لولا حرقة الدموع التي آلمتني كثيرا، وأنا على متن القطار السريع الرابط بين باريس ولندن عندما وقعت عيني على الخبر المفجع بمواقع التواصل الإجتماعي. خيل لي، في البداية، أنها كذبة أخرى من الأكاذيب التي يتوسلها البعض لجلب الانتباه إلى صفحاتهم أو مواقعهم الإلكترونية في أيامنا هذه. لكن سرعان ما تبدد التوجس والشك. سرعان ما استقر اليقين على يقينية الخبر عندما اطلعت على تدوينات عدد من الرفاق التي كانت حصرا في نعي العزيز عبد الواحد بلكبير.

حينها لم أجد ما أمني به النفس أو أتوسله لإبعاد النبأ الأليم عن دوائر اليقين التي تستعصي على كل عوامل اختراق الريبة والشك التي تحركت بقوة في نفسي فور وقوع عيني على الخبر، من قوة الدهشة ومن هول الصدمة ربما. لكن، لا بد مما ليس منه بد، حتى ولو كان عبء النعي ثقيلًا وثقيلًا جدا، فلا مناص من التحمل، ولا سبيل إلى الهروب من هكذا عبء وهكذا ثقل. لقد رحل عبد الواحد وليس رحيله أي رحيل.

هناك عدد كبير من الأعزاء، أصدقاءً وإخوةً ورفاقًا، رحلوا وهم يرحلون بوتيرة متسارعة مع تقدم عمري وأعمارهم أو بطريقة لا يعرف أسرارها العشوائية غير الموت ربما، لكنه مع ذلك رحيل يبدو من منطق الأشياء. رتابة الحياة الدنيا: ميلاد وفرحته ومرض وآلامه ورحيل ونصيبه المؤكد من الأحزان ومن الدموع. ولكن ذلك يظل ضمن منطق الأشياء. فمن سيدفن من؟ ومتى؟ هذا سؤال متواتر بين الإنسان ونفسه وبينه وبين أحبائه. يقال جهارًا مرات قليلة ربما، لكنه سؤال وجودي عميق ملازم للنفس لا يكاد يغيب عنها حقا إلا في ما ندر من الأحوال.

هذا قدر. هذا قضاء وقدر، نقول عبر لغاتنا المختلفة، استكانةً وخضوعا، تعبيرًا عن يقين عاجز حتى عن التفكير في تغيير منطق الرحيل المتواتر الأبدي بل وعن استعادة السكينة إلى رجة الأعماق وتوتراتها جراء وقع صدمة ساعة الرحيل.

لكن الرحيل الذي يبدو متماثلا في مواصفاته البادية بل والذي يمكن الاعتقاد بكونه وحيد جنسه بين بني البشر، ليس كذلك في الواقع. فكل رحيل فريد نوعه. وهذه الفرادة بالذات هي التي تقف حاجزًا رئيسًا أمام تقديم هذه الشهادة التي طلب مني تقديمها في حق عبد الواحد بلكبير.

لا أريد الإيحاء بأن شهادتي في الفقيد مجروحة بحكم علاقات المحبة والرفاقية العالية التي جمعت بيننا لسنين طويلة وخلال منعطفات مصيرية من حياتنا النضالية المشتركة. فهذا ليس قصدي، على الإطلاق، بل أقصد دعوتكم ان لا تنتظروا مني شهادة الوقائع والأحداث، لأنها لا تفي بالغرض في هذا الرحيل، وفي هذا الراحل الكبير عبد الواحد بلكبير بالذات. لذلك اخترت لشهادتي أن تكون شهادة الوجدان العميق، شهادتي الفريدة التي تتلاءم مع هذا الرحيل والفقد والمصاب الفريد.

قد تستغربون إذا قلت لكم اليوم إنني لم أكن أعرف عبد الواحد بلكبير حقًا وعندما عرفته كذبت نفسي وهمها فيه، إذ أثبتت لي أنني أعرفه منذ زمن بعيد لا بداية له في وعيي وربما في لا وعيي العميق أيضا. لذلك يستحيل علي اليوم أن أقول الكثير حول ما أعرفه أو خبرته من عبد الواحد. لذلك اعذروني إذا قلت لكم إنه عبد الواحد وكفى.

لكن المناسبة تفرض طقوسها وكل الطقوس لها لغتها ورموزها الخاصة ولست هنا لأتهرب من منطقها لكنني سأحاول قدر الإمكان إخضاعها لما يتطلبه بعض الوفاء لروح رجل كبير وفي مقام مهيب مقام الرحيل ومشهد التأبين.

عرفت عبد الواحد بلكبير بقلبي. استوطن الوجدان قبل أن تستقر عيني على عينه لذلك فأنا سأنطلق من وجداني في شهادتي المتواضعة هذه في حق فقيدنا الكبير.

ليس عبد. الواحد متفائلًا كغيره من المتفائلين، ليس عبد الواحد حالمًا مثل غيره من الحالمين وليس عبد الواحد ثائرًا كما غيره من الثائرين. هو تركيبة نوعية خاصة لكل ذلك، لأنه كان يميز دومًا وبدقة لا متناهية وبقدرة فائقة، بين تلك الحالات الوجدانية والنفسية عندما يكون التمييز بينها ضروريًا ودالًا أو موجهًا للفعل النضالي والإنساني معًا. فلا تجد عبد الواحد في ذلك يتنكر لهذه الحالة ليعانق تلك، في قطيعة وهمية بينها وإنما يضع كلا منها في المكان المناسب في الوقت المناسب في أعماق أعماقه.

لذلك تراها تتبادل البروز على السطح وتتخذ مركز الصدارة الذي يليق بها عند تعاظم منسوب كل منها ضمن البيئة التي هي بيئتها الخاصة بها وفي سياق قراءة عبد الواحد الخاصة والفريدة لعناصرها وما يريده منها أن تعبر عنه أو تقوم به من أدوار.

لذلك نادرا ما تشعر أن عبد الواحد قلق أو حزين أو يائس. بل تجده غاضبا في الحالات التي تدعو إلى القلق أو الحزن أو اليأس. فلكأن الغضب وسيلته لقهر أسباب القلق والحزن والقنوط واليأس. وفي ظني أن عبد الواحد بارع في إدارة معركة الغضب في وجه القلق والحزن واليأس. وهكذا انتصر على تلك الحالات جميعها فأعطى مثالًا حيًا على التفاؤل الحالم المتوازن وقدم أكثر من عربون على شيم الثائر النزيه، الثائر المتفاني في حب الوطن في خضم الشدائد: شدائد الوطن والشدائد على الوطن.

من هنا أصالة الرجل في حياته المفعمة بالأحداث الجسام خلال المنعطفات السياسية الكبيرة، تمامًا كما في الحالات الإنسانية الكبرى في حياته الخاصة وفي حياتنا العامة جميعًا. ومن هنا وجه الفرادة في رحيله المفعم بالعبر والدلالات وهو الذي أوحى لي لحظات بعد رحيله بكلمات بسيطة في حق الفقيد.

عبد الواحد: أنت هنا

كنت معنا دومًا، وستظل معنا دائمًا.
لن نتركك تغادر، فأنت في بؤرة وجودنا.
لا أريد أن أتذكر،
لأنني لا أريد أن أنسى
ولا أريد أن أنسى
لأن الوجود أبقى
حتى في الغياب.
عبد الواحد صنو وجود متعدد
وجود في الأعماق
وجود في الأماكن
وجود في الساحات
الضيقة والفسيحة
عبد الواحد المبادرات التي كثيرًا ما أثارت فضول تساؤلات عميقة
هو وحده يملك كيمياء الربط بين الواقع
كما يراه
كما يتمناه
كما يعمل من أجله
بكل وقواه
وبين تلك المبادرات
الكثيرة في لحظات
حساسة من نضالنا
المشترك
لن أقول وداعًا عبد الواحد
لأنك لا تودع
أنت ترحب دومًا
أنت لا تودع أبدًا
أنت باق هنا عبد الواحد
أنت في بؤرة وجودنا
جميعًا
في قلب كل رفيق
في قلب كل صديق
وفي قلب كل حبيب
أنت باق عبد الواحد
كبيرًا
كما كنت كبيرًا
شهما كما كنت
مخلصًا كما كنت
ولم تبرح
أنت هنا
أنت هنا

حسن السوسي

نص مساهمتي في الكتاب حول الراحل عبد الواحد بلكبير

اضف رد