panneau publicitaire maroc decoupe laser casablanca imprimerie casablanca imprimerie casablanca imprimerie maroc objet publicitaire maroc

فلسفة الموسيقى عند “أرستوكسان”

الكاتب: المصطفى عبدون 

ربط أفلاطون بين المقامات الموسيقية وبين المفاهيم الأخلاقية، فحسب جوليوس يورتنوى في كتابه (الفيلسوف وفن الموسيقى)، لم يكن أفلاطون يتق كثيرا في قدرة المواطن على التمييز بين الموسيقى الجيدة والرديئة، أو في إمكان الوثوق في الجماهير حول المسائل المتعلقة بالذوق الجمالي.

لذلك ينبغي أن يتلقى حراس الدولة تعليما موسيقيا أفضل من تعليم الناس لا في العزف البارع على الآلات، وإنما في فهم طبيعة الموسيقى وتأثيرها في السلوك، إذ أن الكبار هم الذين تقع على عاتقهم تلك المهمة الدقيقة، مهمة الاختيار بين الموسيقى الجيدة والرديئة. فنجده يدعو إلى استبعاد المقامين الايوني والليدى من الدولة لأن فيهما ميوعة وتخنثا يبعث على الانحلال في الأخلاق.

أما المقامان الدوري والفريجى اللذان يتميزان بروح عسكرية فمن الواجب استبقاؤهما، وهكذا بدأ أفلاطون في تشييد مذهبه في الفلسفة الجمالية للموسيقي بأن عزا إلى المقامات الموسيقية اليونانية صفات أخلاقية، وانتهي إلى نتيجة أن الإيقاعات والموسيقي هي -بوجه عام- محاكاة للخلال الطيبة أو السيئة في الناس.

أما أرسطو فكان في معظم الأحيان مرددا لنظريات أفلاطون في الموسيقى وقد اهتم مثل أفلاطون بالجوانب العددية للأصوات الموسيقية بالإضافة للجوانب الأخلاقية، فقد رأى أن المقام الموسيقي “الدوري” le mode dorien أكثر الأنواع جدية ورجولة وذلك لأنه يتناسب مع القول بالوسط العدل، وأن الناي يقتضي مهارة فائقة، ولا يعبر عن الصفات الأخلاقية، بل هو مثير أكثر مما ينبغي، كما أن حيلولة الناي دون استخدام الصوت البشري، يقلل من قيمته التعليمية.

وقد تابع اللاحقون لأرسطو وأفلاطون آراءهم في الفن عموما والموسيقي، لاسيما ما يتعلق بتأثير المقامات والإيقاعات الأخلاقية. فنجد أن أرستوكسان أو “أرسطو كسينوس” (354 ق.م) تلميذ أرسطو، أول فيلسوف يضع مذهبا جماليا في الموسيقى مبنيا على قيم إنسانية خالصة. فقد حاول تجنب التفسيرات الأخلاقية والرياضية الخالصة للموسيقي التي تمسك بها أفلاطون وأرسطو معا. وكان يعتقد أن الحس والعقل والقدرة على الاستماع والتمييز كفيلة بأن تنتج للمرء أن يحكم بنفسه إن كانت القطعة الموسيقية جميلة أم لا، كما رفض إرجاع المقامات الموسيقية إلى الرياضيات. لم يكن أرستوكسان شديد الحماسة للتجديدات الموسيقية في عصره، فقد شكا من أن أكثر الأعمال الموسيقية الجديدة قد فقدت جديتها وبساطتها.

تلتقي المدرستين للموسيقى اليونانية القديمة بخصوص الدراسات الصوتية. قامت فيثاغورس بدراسة القوانين الدقيقة للظاهرة الصوتية وحددت الفواصل الزمنية المتناسقة عن طريق القوانين الرياضية، أما أرستوكسان فقد توصل إلى نفس الاستنتاجات، لكن وفقَ المعايير الجمالية للأذن البشرية. انتقد أرستوكسان آراء الفيثاغوريين، على أساس أن الرياضيات وحدها لا يمكن أن تفسر الطبيعة الحقيقية للخلق أو التذوق الموسيقي. كما انتقد أبحاث العمليين والتجريبيين الذين كانوا يهتمون بالأنغام الموسيقية المفردة أكثر مما يهتمون بالعلاقات اللحنية بين نغمة وأخرى، وقد رفض أرستوكسان الاعتماد على الأذن وحدها في تحديد الطابع الجمالي للعمل الموسيقي. كما رفض الرأي القائل بأن الأحكام الجمالية في الموسيقى هي أساسا عملية عقلية.

يعتبر أرستوكسان أول من كتب عن الانسجام الموسيقي “الهارموني”، وأيضًا عن العناصر الإيقاعية، وقد كتب 453 كتاباً، خصص جزءاً منها فقط للمقالات المتعلقة بالموسيقى والتعامل مع مواضيع مختلفة. قراءة أعماله ضرورية لفهم الموسيقى اليونانية القديمة. لأول مرة في التاريخ، أسس علماً موسيقيّاً مستقلّاً عن الرياضيات باستخدام معيارين: القيمة الجمالية للأذن البشرية والفكر العقلاني، فهو متميز عن فيثاغورس، متهماً إياه بدراسة الموسيقى بطريقة نظرية للغاية، في حين أن الموسيقى، حسب رأيه، هي مجال مستقل لا يمكن فهمه بدون ممارسة موسيقية.
الهارموني Harmonie مصطلح فلسفي يعني التناغم والتآلف والانسجام بين المكونات المختلفة. اشترط الفلاسفة وجود الهارموني كمتطلب أساسي لمزج المكونات المتشابهة أو المتباينة أو كلاهما معاً للحصول على الجمال، فهو العلاقة القائمة بين التوافقات المتتالية لغرض تكوين جملة موسيقية. إلا أن الهرمونيا بالنسبة لليونانيين هي تتابع صوتي في المحور الزمني الأفقي، وليس تراكب عمودي لأصوات مسموعة، في وقت واحد كما تمليها الهارمونيا الغربية.

درس أرستوكسان بعمق الانسجام واللحن ووضع الأساس للعلم التوافقي. لقد قام، من بين أشياء أخرى، بتعريف المسافات المتآلفة ويتعلق الأمر بالثامنة أو الأوكتاف والرابعة والخامسة أما المسافات الأخرى بالنسبة له فهي متنافرة. لذلك يمكننا أن نستنتج أنه بالنسبة لأرستوكسان أن الترتيب دقيق ولا غنى عنه لتأليف الموسيقي ولا يمكن فهم البعد الجمالي لهذا الترتيب وقضايا التآلف/التنافر إلا من خلال التجربة السمعية للموسيقي والتحليل العقلاني لهذه التجربة الحسية. لا يجوز لنا أن نحكم على الموسيقى إلا من خلال حاسة السمع، وليس للعقل من سلطة فيها إلا بقدر ما يتفق مع حكم الأذن. في الوقت ذاته، فلا يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر إقناعا لنا من اتفاق الأذن والعقل في الأحكام التي نصدرها. ذلك لأن الأذن ترضي طبيعتنا، والعقل يرضي روحنا، فعلينا ألا نحكم على شيء إلا بهما معا متضامنين.
يمكن اعتبار أرستوكسان ودائما حسب رأي جوليوس بورتنوي، أنه ربما كان أول المفكرين الموسيقيين الإنسانيين في الحضارة الغريبة، فقد اتخذت فلسفته الموسيقية من الإنسان حكما وحيدا لما هو خير وشر في الموسيقى. وكان يقدر تماما الدور الذي قام به التجريبيون والفيثاغوريون في أبحاثهم للتركيب الفيزيائي والرياضي للأنغام. ولكنه كان يرى أن الأنغام المفردة لا تكون بذاتها موسيقى، وأن العناصر العددية لأنغام معينة لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة قيمة الموقف الجمالي، فمعرفة الهارمونيات شرط ضروري للفهم، ولكن أرستوكسان كان يعتقد أن التقدير الصحيح للموسيقى يتجاوز نطاق فهم فيزياء الصوت ونظرياته العلمية، ولا بد أن يبلغ أوجه في الشعور العاطفي.

مهندس إحصائي ومُهيء حضري، باحث في فلسفة الموسيقى، إطار بمديرية السكنى بقطاع الإسكان وسياسة المدينة.

اضف رد