خصخصة القطاع العام إصلاح اقتصادي أم عقاب للشعب المغربي؟

إنّ العلاقة بين الخوصصة والإستثمار في النظام الاقتصادي الرأسمالي علاقة بديهيّة، إذ أنّ الهدف الرئيسي للخوصصة نظريا هو دعم الاستثمارات الخاصة المحلية وجلب المستثمرين الأجانب.

انفجرت أزمة الديون الخارجية وضغوط البنك الدولي على حكومة “العدالة والتنمية”، ومع التخبط الاقتصادي والفساد المالي والإداري المتفشي في القطاع العام ، أصبح المغرب يعيش أزمات اقتصادية متعاقبة عالجتها بالحلول الترقيعية، والإصرار على استجداء المعونات الدولية المرتبطة بشروط قاسية، كما أن الصناعة المغربية صناعة اللامسات الأخيرة، كما يسمونها، وهي تقوم باستيراد المواد شبه المصنعة وتركبها، فليس هناك صناعة وطنية متطورة ولكنها صناعات خفيفة تعتمد على رخص الأيدي العاملة المغربية والأفريقية المتواجدة في المغرب.

تسعى حكومة الدكتور العثماني إلى انطلاق عمليّات الخوصصة لمجموعة من الشركات التي تملكها الدولة ،في  هذا البرنامج الذي يتضمّن خوصصة المؤسسات العمومية وانسحاب الدولة من النشاطات التنافسية ودعم القطاع الخاص.

قال وزير الاقتصاد والمالية، محمد بنشعبون، اليوم الثلاثاء، إن الحكومة تراهن، في عام 2019، على إيرادات متأتية من الخوصصة بقيمة 5 إلى 6 ملايير درهم. 

وأوضح بنشعبون، في لقاء صحفي عقده لتقديم مشروع قانون المالية برسم سنة 2019، أن المؤسسات العمومية المعنية بهذه العملية هي المؤسسات التي سبقت خوصصتها ولا تزال الدولة تحتفظ بمساهمتها فيها. 

واستبعد الوزير المكتب الوطني للسكك الحديدية من هذه العملية، موضحا أنه مؤسسة عمومية ليس لها الشكل القانوني لشركة مساهمة. 

وأضاف أن هذه المؤسسة العمومية غير قابلة للخوصصة بشكل مباشر لأنها لا تتوفر على رأسمال، بل صندوق مخصصات، مؤكدا أنه يتعين إعادة هيكلتها قبل خوصصتها. 

وقال بنشعبون، في هذا الصدد، إن من المتوقع أن تبلغ الإيرادات المتأتية من تحسين حكامة المؤسسات العمومية ملياري درهم في عام 2019. 

وتراهن الحكومة على نسبة نمو قدرها 3,2 في المائة في 2019، مع التحكم في نسبة التضخم في حدود أقل 2 في المائة.

ولتبرير الخوصصة، وقع اللجوء إلى ذريعة عدم جدوى القطاع العام وضعف مردوديته، بحيث أصبح هذا القطاع يمثّل عبئا ثقيلا على ميزانية الدولة لذلك وجب تغيير المعايير الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تحكم القطاع العام بمعايير جديدة تعتمد على السوق وعلى منطق الربح. ومن هنا نفهم لماذا جعلت الحكومة من الخوصصة إحدى ركائز تعزيز القطاع الخاص ووسيلة مهمّة لتحسين جدوى الاقتصاد وقدرته التنافسية.

أن برنامج الخوصصة ببلادنا هو اختيار لا علاقة له بالحاجيات الاقتصادية والاجتماعية لبلادنا، بقدر ما هو استجابة للخيارات الليبرالية الغربية الهادفة لفرض سيطرتها على مصادر ثروات وخيرات الشعوب المستضعفة ومن بينها المغرب، وبالتالي فإن اختيار الخوصصة هو اختيار مملى من طرف البنك العالمي وصندوق النقد الدولي في إطار برنامج التقويم الهيكلي، ولا يمكن بالمطلق اعتباره قرارا سياسيا وطنيا مستقلا.

ويعاني القطاع العام في المغرب من مشاكل جمة، تبدأ من استشراء الفساد والنهب وقلة الأطر والتجهيزات، مرورًا بنقص روح المسؤولية والعمل للصالح العام، إلى نقص الكفاءة والفعالية، ما ينتج في الأخير خدمات سيئة الجودة لا تلبي حاجات المواطنين، وتبذير للأموال ومردودية شحيحة، وذلك بسبب غياب المحاسبة والمتابعة والتقييم الشفاف والمستمر فيما يتعلق بمجال الخدمة العامة، الذي يعتبره كثير من الموظفين والسياسيين “مغنما حلالا”.

في حين يتفوق القطاع الخاص في أدائه على خدمات الحكومة، التعليم والصحة أفضل مثال، لكونه يقوم أساسًا على الربح، فنجد ملاكه من أباطرة الشركات والأعمال يستثمرون في الموارد البشرية والتقنية لتطوير أعمالهم  وجني مزيد من المال، فضلًا عن أنهم يحسبون كل حساب لكل درهم مصروف، لكن كلفته الباهظة ليست في متناول المواطنين البسطاء، بالنظر إلى ضعف القدرة الشرائية لعموم المغاربة.

إلاّ أنه يبدو أن حكومة سعد الدين العثماني مصرة و تراهن على القطاع الخاص، وتتجه شيئا فشيئًا نحو سحب يدها من الخدمات العامة الأساسية، التي هي من صلب وجود الدولة، وهي سياسة برزت منذ الولاية السابقة لعبد الإله بنكيران، الذيأعلنها صراحة، “حان الوقت لترفع الدولة يدها عن الصحة والتعليم”، ويبقى السؤال في هذا الحال هو ماذا ستقدم الحكومة للمواطنين مقابل الضرائب؟

اضف رد