يظن الكثير من المسلمين بان المسجد الاقصى هو نفسه ما يسمى قبة الصخره , وهذا خطأ , اذ ان المسجد الاقصى هو كل شيء داخل الاسوار , ومبنى قبة الصخرة ما هو الا مسجد من كثير من المساجد والمصليات والمعالم الكثيرة

التطبيع باسم الصلاة في المسجد الأقصى…!

مصطفى قطبي كاتب صحفي من المغرب

على أديم زمن ملتبس وخلافي افترق فيه المبنى عن المعنى، والعنوان عن المضمون، والفعل عن الفاعل، والمبتدأ عن الخبر، والنعت عن المنعوت، يأتي الحديث عن زيارة العرب والمسلمين للأراضي المقدسة في فلسطين وفي مقدمتها زيارة الأماكن المقدسة الإسلامية ممثلة في المسجد الأقصى وغيرها من المقدسات. وهل تعد تلك الزيارات دعما للفلسطينيين الصامدين في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي أم تطبيعاً مع نظام الاحتلال؟

يلفت النظر في الصراع الدائر حول هذه النقطة أي الزيارة من عدمها إن الأمر يعبر عن حالة مأزق أو انسداد تاريخي في واقع الحال بسبب غياب إستراتيجية فلسطينية عربية بشأن القدس تكون أوسع وأنفع من مجرد الحديث عن جزئية بذاتها رغم أهميتها. والشاهد إن الجدل لا يزال قائماً بين فريقين: فالذي يرى عدم الزيارة وحتميتها يرتكن إلى أنّ مثل هذه الزيارة تشجع السياحة وتصب اقتصادياً وأدبياً في صالح إسرائيل، إذ يجعلها الدولة الديمقراطية الحقيقية التي تزدهر فيها المساواة بين الأديان، وهذا أمر يخالف الحقيقة، حيث تعمل إسرائيل على تهويد القدس وتحويل وتغيير معالمها وملامحها والقضاء على أي صورة إسلامية أو مسيحية لها لا عن طريق إزالة الحجر فحسب، بل من خلال تهجير البشر أيضاً، وعلى الجانب المقابل فإن أنصار الزيارة يرون أنها تمثل دعماً وعوناً للأخوة الفلسطينيين المحتقنيين والمتألمين هناك تحت وقع الضربات الإسرائيلية ودعماً لمواردهم المالية في مواجهة المضايقات التي تفرضها إسرائيل على حياتهم اليومية…

من خلال التحليل الواعي، يمكن لإسرائيل أن تسمح بزيارات تطبيعية ولكنها لن تسمح بوجود تدفق عربي أو إسلامي أو مسيحي إلى مدينة القدس يحمل هدفاً سياسياً من شأنه تغيير واقع السيطرة والاحتلال الإسرائيلي للمدينة. فإسرائيل تصر على أنّ القدس موحدة هي عاصمة أبدية لدولة إسرائيل ولا يهم إسرائيل من يزور الأماكن المقدسة بل تهمها السيادة عليها، وسوف تفيد هذه الزيارات الاقتصاد الإسرائيلي على الأقل بقدر الفائدة ـ المشكوك فيها ـ للفلسطينيين في القدس لذلك فالموقف في السطر الأخير هو دعوة للسياحة الدينية العربية الإسلامية والمسيحية في القدس الإسرائيلية إن جاز التعبير.

نهتم بداية بالإشارة إلى السياق التاريخي للتطبيع عبر مفهوم التطبيع نفسه ومسيرة التطبيع عبر الصراع العربي الإسرائيلي والموقف من التطبيع عربياً وإسرائيلياً هذا من جهة أولى ومن جانب ثان نتوقف أمام الدعوات التي تدعو العرب والمسلمين لزيارة مدينة القدس المحتلة والمسجد الأقصى، ونقارن بين ما هو واقعي فيها ويمكن ترجمته إلى أفعال على الأرض، وما هو متخيل ويستحيل تنفيذه وبخاصة في ضوء وجود إسرائيل كسلطة احتلال.

 التطبيع: هو إعادة وضع تاريخي بين متخاصمين إلى طبيعته، بعد خلل أصابه وأدى إلى خروجه عن المألوف بينهما. وقد يكون المتخاصمان فردَين أو جماعتين أو دولتين أو مجموعتين من الأطراف في ما يعرَف بالمحاور أو التحالفات. ويتم ذلك باتفاق مباشر، أو بواسطة طرف أو أطراف أخرى، على أن تعود العلاقات والصلات بينهما إلى طبيعتها المُعتادة، على الصعد والمستويات جميعاً، أو أن يصبح التعامل بينهما عاديا بعد انقطاعه أو فتوره، لأسباب ونتائج ناشئة عن نزاع أو صراع بينهما على أرض وحدود أو حقوق أو مصالح، أديا إلى أشكال من الخصومات والمواجهات السياسية والثقافية والحروب، وأفضى ذلك إلى تعطّل ما كان قائما وسائدا ومستقرا بينهما من علاقات وصلات طبيعية عبر الزمن، تخدم مصلحة الطرفين. أو هو مطلب استقوائي يُراد فرضه بالترهيب والترغيب، في أوضاع خاصة، كما هو الحال في وضعنا نحن العرب مع الاحتلال الإسرائيلي، ذلك الاحتلال المغروس بقوة الاحتلال والعدوان والظلم والقهر في فلسطين، على حساب الشعب الفلسطيني وحقه في وطنه التاريخي، ومؤامرة دولية كُبرى، لإضفاء صفة الوضع الطبيعي العادي NORMAL/ ومواصفاته ووقائعه على أمر غير طبيعي ولا عادي ولا عادلٍ أصلا.

 وقد بدأ مصطلح التطبيع يفرض نفسه في التداول السياسي العربي، وفي منطقة الشرق الأوسط ابتداء من اتفاقية كامب ديفيد 1978 ـ 1979 التي عقدها السادات ومناحيم بيجن بين مصر العربية والاحتلال الإسرائيلي، بإشراف الولايات المتحدة الأميركية وتدخّلها المباشر، في عهد الرئيس الأميركي رونالد ريجان. وأخذ استخدام هذا المصطلح يزداد حضوراً في التداول السياسي والدبلوماسي والإعلامي والثقافي، وينتشر، وتتعدد صيغه وأشكاله وسبُلَه وشخوصه، لا سيما بعد اتفاق أوسلو 13/9/1993 واتفاق وادي عربة الذي تحول فيما بعد إلى معاهدة بين المملكة الأردنية الهاشمية والكيان الصهيوني عام 1994.


وأصر الاحتلال الإسرائيلي ويصر، على إدراج موضوع التطبيع في جدول أعمال التفاوض مع العرب، سواء أكان ذلك في ”واي بلانتشِن” بين سوريا والاحتلال الإسرائيلي قبل أن تتوقف عام 1996، أو في ”شيبردز تاون” بعد أن توقفت هي الأخرى، إلى القطع التام عام 2000، أو في مراحل التوصل إلى اتفاقيات لتنفيذ اتفاق أوسلو، وفي المفاوضات النهائية لما يسمى الحل الدائم في كامب ديفيد الثانية، أو التي كان يصر العدو عليها، في إطار تطبيق القرارين 425 ـ 426 قبل أن يضطر إلى تنفيذهما مهزوماً، تحت ضغط صمود الشعب اللبناني، والخسائر التي لحقت به وبعملائه ”جيش أنطوان لحد” في جنوب لبنان.

ويهدف التطبيع على الصعيد الثقافي إلى:

 أولا: توظيف الثقافي في خدمة السياسي، أي جعل المَبدئي والحقَاني والخلقي والتاريخي، في خدمة الآني والظالم والفاسد والكاذب، والمفروض بقوة القهر الاستعماري الصهيوني والتآمر على الأمة وعلى المنطقة وأهلها.

ثانياً: توظيف ثقافة ومثقفين، في خدمة سياسة الإذعان والاستسلام التي فُرِضَت على عرب، أو تواطأ عرب مع الاحتلال الإسرائيلي على الاستسلام لها… خدمة للعدو، وتحقيقاً لأهداف إسرائيلية ومراحلها، على طريق تنفيذ مشروعها المستمر /إسرائيل التوراتية، أو إسرائيل رباتي.

ثالثاً: جعل الثقافة إحدى أهم حواضن سلام الاستسلام، أي السلام الإسرائيلي ـ الأميركي، الذي يحاول انتزاع اعتراف تاريخي بحق لليهود في فلسطين بعامة، وفي القدس بخاصة، على حساب حق الفلسطينيين والعرب والمسلمين بفلسطين ومقدساتهم فيها، وعلى رأس تلك المقدسات القدس الشريف بكل مكوناتها المقدسة الإسلامية والمسيحية.

رابعاً: إعادة تكوين الذاكرة والوجدان العربيين من جديد وذلك بـ:

 أ ـ محو حقائق الصراع العربي الإسرائيلي من الذاكرة، واستهداف الأمة والدين بالتشويه والافتراء، واستهداف الأجيال الناشئة، قبل سواها.

ب ـ إفراغ الصراع العربي الإسرائيلي من مضامينه وأهدافه وحقائقه وحواضنه، تحت ضغط تزييف الوقائع والحقائق من جهة، ومواجهة الناس بمنطق ”واقعية انهزامية” من جهة أخرى، تفرضها صراعات وحروب وفتن، يغذيها الاحتلال الإسرائيلي وحليفه الأميركي، ويقدمانها على أنها قدر وأبد، وما على الناس إلا أن يقبلوا بهذه الصيغة التخلفية ـ الدونية ـ الانهزامية، وإلا خسروا ما تبقى من أرض وحق ومستقبل، وأنّ عليهم أن يقتنعوا بأن هذه هي نهاية تاريخ وبداية تاريخ… نهاية تاريخهم وبداية تاريخ دولة إسرائيل وهيمنتها وتحالفاتها.

ج ـ إعادة صوغ الوجدان الفردي والجمعي العربيين، بالتركيز على:


1 ـ تخريب منظومات قيم، ومعايير حكم واحتكام، تستند إلى معطى ديني وقومي تحرري تحريري، وتشويه معطيات تاريخية، وإمكانيات واقعية، تشكِّل روافع الصّمود والنهوض العربيين، وخلق ظروف مأساوية، وحالات قنوط… والتلويح بالقوة ومنطقها، واستخدامها وفرض سيادتها، للقضاء على كل أمل في النهوض وامتلاك ناصية المستقبل.

2 ـ التركيز على منظومات قيم ومعايير حياتية دنيوية ـ آنية، أو غريبة مستوردة ـ تركز على مخاطبة الغرائز وتنميتها، وعلى الانحلال وتقديمه حرية وتحرراً، والتركيز على الفردي والأناني والآني والفاسد المفسد من الموضوعات والاهتمامات والمهام والرؤى، وتعزيز النزوع المادي الاستهلاكي على حساب الروحي الاجتماعي المتسامي، وتفتيت قوى الإيمان والإرادة، وإنعاش قيم ومقومات مجتمع أناني منخور البنية، مسحوق تحت وقع الظلم والحاجة، ذي تطلعات دنيا تتدنى، ومأخوذ بإغراء مفهوم وسلوك مدمرين عن الدولة والنهوض والحرية والتحرر.

3 ـ التأكيد على منطق الهزيمة وأبعادِها ونتائجها، وترسيخ ذلك في العقل والوجدان، حيث يشمل نفياً لكل ما عداه وعلى الصعيدين الواقعي والتفاؤلي… وترسيخ مقولة عدم استطاعة العرب كسب معركة مع إسرائيل بالقوة، وأن الحرب لا يمكن أن تستمر إلى الأبد فلا بد من سلام يفرضه الأمر الواقع القائم على منطق القوة، الذي يملي تنازلات وتنازلات… وأنه لا بد من ”السلام” المفروض، على أرضية المفهوم الإسرائيلي ـ الأميركي للسلام، الذي ينتزعُ فلسطين من أهلها، ويبقيهم مشردين أو تبعاً، ويقسم العرب ويشعل العداء بينهم، ويطلب منهم الاعتراف بإسرائيل فرادى وجماعات، لأن فلسطينياً وعربياً قد اعترفا بها، وقبلا التعايش معها… فما شأن الآخرين الرافضين، ما دام بعض أهل البيت وأنصار لهم يوافقون؟!

وعلى الرغم من أن هذا مناقض لقانون الحياة الذي هو حركة لا تعرف الركود، ولكل استقراء سليم لتاريخ الأمم وتجارب الشعوب الذي يقدم الدرس تلو الدرس، والخلاصة تلو الخلاصة، حول موضوع تداول الدول، وتراخي الحضارات في مناطق ولدى أمم ونهوضها، وحول حقيقة أن التاريخ تصنعه إرادة الأفراد والشعوب، بالإيمان والوعي المعرفي، والثبات على الحق والمَبدأ، وتغيير معطيات الواقع وموازين القوى، على أرضية من الثبات الوعي المعرفي وتجديد العزم والإرادة، والتمسك بالحق والتضحية من أجله على الرغم من ذلك كلِّه، فإن هذا النوع من المنطق الانهزامي يُروَّج له، ويلقى آذانا مصغية من أفراد وجماعات ودول.

والمقصود من التطبيع بين الحتلال الإسرائيلي والبلدان العربية المعنية بالصراع العربي الإسرائيلي، أن يتوقف كل ما له صلة بحالة الحرب، وتُنسى الأسباب ”والقضية” التي أدت إليها، وأن يتم القفز فوق ذلك كله ـ بتجاوزه ـ إلى ما يسمى ”ثقافة السلام”، لتقوم بدلا من العداء علاقات طبيعية بين ”إسرائيل” والدول العربية جميعاً، تؤكد ”حقاً تاريخياً” لدولة الاحتلال والغي والبغي، في أن تقوم في أرض فلسطين وتبقى، وأن تصبح جزءا من النسيج الجغرافي والتاريخي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي والأمني للمنطقة، ويكون لها رأي في مستقبلها، وتدخل شريك في شؤونها، ومهيمن على أمور استراتيجية فيها، وأن تقوم بينها وبين دولها علاقات دبلوماسية وتجارية وثقافية في المجالات جميعاً.

وتذهب إسرائيل إلى أبعد من ذلك في هذا الاتجاه لتركز ـ بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية، والدول الأوروبية، وحلفائهم في المنطقة ـ على أن تعيد الترتيب الجيوسياسي للمنطقة، إن أمكنها ذلك. فقد دعت، عبر شمعون بيريس”، إلى إلغاء جامعة الدول العربية وتفكيكها، بوصفها، كما قال، ”جامعة الكراهية”… وإقامة جامعة شرق أوسطية تكون ‘إسرائيل’ في جوهر تكوينها، وأحد المؤسسين الرئيسين لها.

باختصار: هل من خلاصة يمكن للمرء إن يستنتجها تجاه إسرائيل وإشكالية التطبيع ومعضلة زيارة الأراضي والأماكن المقدسة في فلسطين؟

مما لاشك فيه إن الألم في هذا السياق يتجلى في غياب أي مؤسسات عربية جمعية قادرة على بلورة موقف موحد من مثل هذه القضية المصيرية الحاسمة فعلى سبيل المثال لماذا لا تتداعى جامعة الدول العربية في هذا الصدد لحسم قضية زيارة المقدسات عوض أن يبقى المشهد خلافياً افتراضياً على هذا النحو؟

ربما صعوبة الموقف تعود إلى إن الإشكالية مطلقة وليست نسبية بمعنى إن الحديث عن زيارة المقدسات هو أمر به علاقة إنسانية ربانية فالجميع يريد الصلاة والتبرك من الأماكن التي شهدت علاقة ما بين السماء والأرض وهذا شأن مطلق لا يتعدد ولا يقبل قسمة الغرماء، إنما في مجال السياسة تبقى الخلافات نسبية والقضايا قابلة للحذف والإضافة والمشاهد تتغير اليوم وتتبدل في الغد.

وبين هذه وتلك تبقى الحيرة العربية اتجاه زيارة القدس على إن الأمر الذي يستوجب في كل الأحوال وسواء اتفقنا أو اختلفنا على مشروعية الزيارة، وهل هي دعم أم تطبيع يبقى الأمر الأخطر هو بلورة رؤية عربية متكاملة للتصدي لتغيير ملامح القدس تحديداً وبقية المدن الفلسطينية التي يوجد بها معالم دينية إسلامية ومسيحية ووقف ظاهرة التهويد التي وإن استمرت على هذا المنوال في السنوات القادمة لتغير وجه فلسطين أكثر وأكثر ولأضحت الخسارة الإنسانية وليس فقط العربية أو الإسلامية أشد هولا ، وأكثر فداحة يوما تلو الأخر.

اضف رد