الإصلاح بالمغرب…!؟

الكاتب الصحفي مصطفى قطبي المغرب

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مفهوم الإصلاح بالمغرب في إشارة إلى ما ظهرَ في منطقتنا العربية من انتفاضات واحتجاجات وغيرها، وتداخلت المفاهيم في تحديد المقصود الذي شِيبَ بدرجة كبيرة من الغموض، إلى أن بلغ حدّ الخلط المتعمّد بين الإصلاح والتغيير الجذري في بنية السلطة على ما بين المفهومين من مسافة تمتد عبر الزمان والمكان.

 إن من حق أبناء المغرب أن يعبروا عن مطالبهم المشروعة كتلك التي تنادي بتحسين الأحوال المعيشية وإجراء الإصلاحات السياسية، ومحاسبة المقصرين، وضمان حرية التعبير، والفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ونبذ الظلم والفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وزيادة الرواتب ومستحقات الضمان الاجتماعي، ومحاربة الفساد المالي والإدارة، وتفعيل دور الرقابة المالية في الدولة وزيادة أجور العاملين في المؤسسات الحكومية والخاصة وغيرها من المطالب.

 فقيام الشعب ومناداته بهذه المطالب إنما يوجد نوعا من الرقابة والاشراف على الذات في البلاد، وبذلك يضع يده مع يد المخلصين في الحكومة لكشف أي خلل في النظام القائم. وهنا استحضر قول الباحث مايكل جونستون الذي وثقه في كتابه الذي يحمل عنوان: متلازمات الفساد (الثروة والسلطة والديمقراطية) حيث كتب ما يلي: ”إن إشراك المواطنين كقوة فعالة في صياغة الإصلاح، وليس كجمهور متلقي للحملات الجماهيرية، يشكل خطوة جوهرية”.

 فالإصلاح بادىء ذي بدء ينصبّ على ما هو قائم نتيجة قناعة عميقة بعدم تركه على الحالة التي وُجِد عليها قبل حينٍ من الزمن، وهذه القناعة تكون المحرك الأساسيّ والدافع المباشر في العمل الحثيث على تطويره، وكلمة التطوير تعني النقل من طورٍ إلى طورٍ، وبمعنى أدقّ من حالة إلى حالة، فهناك حركة يجب أن تستشرف الجهة الأمامية لا الخلفيّة في سيرها وانتقالها من موضعها، وإلا انتفت الفائدة المرجوّة من الحركة، على أن الشرط الأساسيّ أن يكون منتَج هذه الحركة إيجابياً تجديده على نحو يتناسب مع التطور الحاصل في بنية المجتمع واحتياجاته وقواه الحيّة ورغبته في الوصول إلى بيئة سياسية واقتصادية وفكرية وخدماتية يحكم متلقيها، وهو هنا الجمهور بشرائحه كلها بأنها بيئة تتقدم على البيئة التي سادت قبل الحركة. 

 إن المغرب لن يكون في مرحلة ما بعد الحدث الراهن كما كان قبله، لأن أحد أهم خصائص هذا الوطن هو مقدرته ووعيه التاريخيين على الاستيعاب والتمثل وإعادة إنتاج الذات المغربية الوطنية وقد اغتنى بالتجربة المرة واكتسب منها معايير جديدة واكتسى من خلالها ثوباً يلبي حاجة اللحظة ويؤسس لكل المقدمات اللازمة لما بعد اللحظة الراهنة على إيقاع المستقبل ومراحل الزمن القادم…

 إن التجربة المرة والحامية هي في كل زمان ومكان من التاريخ مصدر تبلور وانبعاث جديد تتوضح فيه خطوط الضياع والفساد عن خطوط العمل الوطني والشرف والبناء الإيجابي بموضوعاته وأدواته، كما إن هذا المستوى من الحدث إنما يأتي صادماً يرج الواقع ويهز الجذور ويقدم لنا الصحوة على أنفسنا حتى لا نقع في أكبر خلل في التاريخ يصيب الأمم والحضارات وهو المتمثل عادة بالاعتقاد بأن كل شيء طبيعي وعلى ما يرام وفي أحسن الأحوال وقد تم الوصول إلى النهاية في التطور حيث لا مجال للزيادة أو الاستزادة بعد ذلك، إنه الحلم المحذر والذي طالما افترس التجارب الناصعة وحولها إلى مزيج من الهياكل المنخورة والمشهديات المزركشة والاحتفاليات العابرة والشعارات العائمة.

 فالسياق الطبيعي للحراك المجتمعي المغربي لابد أن تتفاعل معه السلطة إيجابياً مع مندرجاته، وهذا التفاعل البعيد عن الانفعال هو الوقود الخلاّق الذي يمد السلطة بالقدرة على مراجعة مسارها التنموي، مع امتلاك الشجاعة الكافية لنقده للوصول إلى الحالة المُثلى قَدْرَ المستطاع، إضافة إلى تحلي السلطة بصفة المرونة، الأمر الذي يمنحها البوصلة الدقيقة التي تمكنها من تحديد الاتجاه الصّواب للمضيّ فيه في سلوك مسار التجديد عبر سياق زمني محدّد، يضعُ في سلّم أولوياته إعادة ترميم ما يحتاج إلى ذلك، والانتقال في الخطوة التالية إلى تجديد الأوضاع القائمة عبر استثمار علميّ رشيد للطاقات والإمكانات المتاحة، يأخذ بعين الاعتبار ضرورة حسن التعامل مع الرأسمال الاجتماعيّ، وهذا يحتاج بالدرجة الأولى لبناء مؤسسي يؤمن بالإصلاح أولاً، وعقلية متجددة تقبل على فكرة التطوير وتستوعبها ـ وتمتلك إمكانية الانخراط العملي فيها.

 ولعل ما يهمّنا في قضية الإصلاح المتعلقة بالشّأن المغربي، وهو ما طفا على السطح متناغماً مع الحراك الشعبي، تأكيدُ أن الإصلاح في المغرب أخذ الشكل المنهجيّ، ومادام قد اختار التربة الملائمة لنبات أشجاره، فالطموح مشروع بسرعة نضج ثمرات هذه الأشجار، ويستند تفاؤلنا إلى إدراك القيادة السياسية في المغرب لأهمية اختيار البيئة المناسبة لتنبت عملية الإصلاح وتتفتح أزهارها بعيداً عن الانفعال والارتجال والتخبط. 

 دعونا نتذكر قاعدة ذهبية تقول: إن الحياة ليست قالباً جامداً نصب عليه… إن الحياة فصل متتابع متجدد، وكان المقتضى منذ تلك الأيام أن نفطن من المغرب إلى تأسيس نهج ومنهج يقوم على ثلاثية الظاهر وثقافة الظاهرة ونقد الظاهرة، وهذه الثلاثية هي السر في بناء التجربة المتكاملة حينما نعيها ونلبي فقراتها، وحينما نتجاهلها تحت وطأة مرحلية الظرف الضاغط أو دوافع إثبات الذات أو اعتبارات الحالة الراهنة العابرة، حينما نقع في أسر هذا التجاهل لهذه المنظومة سرعان ما نجد أنفسنا أمام حدث منتكس جارح وغامض الأبعاد…

 وبهذا المعنى فإن التعامل الأصيل مع الظاهرة السياسية ونقدها وثقافتها يتطلب بالضرورة إطلاق معيارين عليها، أما الأول فهو أن نجري المراجعة على الواقع، نحذف منه ما انتهى مفعوله ونضيف إليه ما استجد من تحولات وأولويات و نعيد تأهيل بعض الشروط والمواد القائمة في واقع التجربة عبر عملية متابعة وتصحيح لا تتوقف ولا تنتهي إن هذا المعيار يدلنا على ذاتنا أولاً ويكشف الواقع أمامنا ثانياً وينبهنا إلى المخاطر ونقاط الضعف المحتملة على المدى القريب والبعيد.

 وأما الثاني من المعيارين فهو أن نتعامل مع ذاتنا وتجربتنا على أساس أنهما المحور الأهم وأن نفطن إلى أن عالم اليوم كما كان عالم الأمس هو ليس مجرد ذاتيات وخصوصيات إنه قوى بشرية تتناقض وتأتلف، تتفاعل ويتغذى بعضها من البعض الآخر، والافتراق عادة يحدث عند وعي هذه اللحظة.

 فالتجربة التي تنقطع عن جذرها التاريخي وامتدادها الإنساني بحيث تصبح محدودة محاصرة هي معرضة للجمود والتآكل بصورة منتظمة إلى أن تقع الكارثة، أما التجربة التي تعتني بذاتها وبتفاعلاتها مع قوى العالم وتطلق معاييرها على أساس الحركة والتطور وسؤالها الأهم هو ماذا فعلنا في يومنا هذا لغدنا الذي لن ينفذ أبداً أي صُغنا معاييرنا بما يجب أن يكون باستثمار ما هو كائن بحيث تكون كل خطوة هي استيعاب السابق ومقدمة للاحق.

 وهنا تكمن أهمية الثقافة في الظاهرة السياسية والتي لا تسمح بغيابنا عنها، أو بغيابها عنا، وهنا أيضاً تكمن قوة نقد الظاهرة السياسية بحيث نطلق كل الطاقات وكل الآماد في حزمة أو منظومة تبني من الحركة وتصحح من الاستمرار، وعندها لا مفاجأة ولا كارثة تأتي من المجهول، ويحق لنا أن نستطلع آفاق هذه المعايير في التجربة السياسية المغربية وهي كبيرة في أصلها ولكنها عانت من نقص في ثقافة البناء السياسي وعلة أكبر في نقد عملية البناء السياسي.

 ويجب أن نعترف، أنه إذا كان المضمون الإيجابي لمصطلح ”الإصلاح” لا يعني أنه خالٍ من القصور، فهو يفصل بين مستويين في المجال السياسي، مستوى المؤسسات السياسية والقوى السياسية، ومستوى الوعي السياسي للمجتمع والمصالح المتنوعة التي ينتج عنها مواقف وآراء مختلفة. فثمة مصطلح آخر، يغطي هذا القصور وهو التنمية السياسية. فعلى الرغم من أن هذا المصطلح لم ينتشر في اللسان السياسي والإعلامي العام إلا أنه أداة ضرورية في مجال التحليل السياسي الدقيق. ‏

يتعدى مصطلح التنمية السياسية الإصلاح المؤسسي إلى تعميق وعي المجتمع وتأهيله من أجل الديمقراطية، أعتقد أن الخطاب السياسي والخطاب الإعلامي المغربي أشد حاجة اليوم إلى تعويم هذا المصطلح وتعميمه، إذ هل من الممكن أن تكون المؤسسات السياسية ديمقراطية إن لم تكن الأسرة والمجتمع المحلي والوعي العام ديمقراطياً؟ كيف يمكن أن يصبح الرأي الآخر مقبولاً على مستوى البناء الفوقي السياسي إن لم يكن مقبولاً في حديثنا اليومي وداخل أسرنا ومجتمعاتنا الصغيرة؟ ثم كيف يمكن أن يكون الحوار قاعدة لعمل المؤسسات الحاكمة إن لم تكن ثقافة الحوار سائدة في الشارع والمدرسة والمتجر وأماكن وجود الناس كلها؟. ‏

من هنا نقول: إن كل ما نراه من احتجاجات وإضرابات واستفاضة في تجميع وسائل الضغط على المغرب، هو اتجاه متوقع وفعل سياسي محسوب وما في الأمر من مفاجأة، لكن مصدر الرهان يكمن في تحصين الذات ضد كل التيارات والجراثيم التي تستهدف الجسد الحي في هذا الوطن، والمقاربة علمية ودقيقة، فما من جهة شخصاً كانت أم مجموعة تتطلع إلى إبادة الجراثيم كلياًَ، فذاك منطق مستحيل ولكن التحصين الذاتي ضد البكتريا البشرية وضد شهوات النفس وضد إغراءات الفساد، وهذه الشجاعة في التصدي لكل الأعراض الخطيرة في وقتها وظرفها، ذلك كله هو الذي ينتج عملية التحصين وهذا ما يجب التركيز عليه الآن، حتى لا يداهمنا عدو جديد من وراء ظهورنا وعبر لحظة غيابنا عن واقعنا وشعبنا وقضايانا.‏ض

اضف رد