الاستراتيجيات التعليمية لا تصنع في الخفاء أو تنزل من السماء

الكاتب الصحفي مصطفى قطبي المغرب

مع بدء العام الدراسي كل عام يعود سؤال التعليم إلى الظهور بشكل ملح… هل يمر التعليم في المغرب بأزمة…؟ يبدو أن الجميع يعترفون بوجود هذه الأزمة منذ سنوات طويلة، والحق أن هناك محاولات لتخطيها ومحاولة تطوير التعليم لكن أفضل تلك المحاولات لم تحقق الحد الأدنى من النجاحات المنتظرة منها، كما يقول الكثير من التربويين ومن أولياء الأمور أيضاً، لأسباب كثيرة، فيما يبدو، ليس آخرها النقص في الكفاءات البشرية المؤهلة التي يمكنها أن تنفذ الأهداف الموضوعة وصولا للنتائج المنتظرة، وعدم توفير الجوانب المالية، وهذا العائق الأكبر، وأحياناً ضعف وهشاشة البنية الأساسية لشروط النجاح

 لكن هناك أسئلة مهمة يجب أن تطرح في سياق مناقشة أزمة التعليم التي نمر بها في المغرب، وفي الحقيقة يمر بها العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه حتى تلك الدول التي كانت مضرب المثل في جودة التعليم المدرسي والجامعي وقوته… تلك الأسئلة من قبيل وجود فلسفة تربوية ينبني عليها إصلاح التعليم، هل لدينا فلسفة تربوية…؟!

غياب هذه الفلسفات أو ضعفها يضعف الرؤية التي يمكن أن ينبني عليها التعليم، ولا أستطيع شخصياً أن أتجاوز هنا الجدل المستمر والذي لا يبدو أنه سينتهي حول: هل التعليم في المغرب تعليم من أجل التعليم أم تعليم من أجل سوق العمل؟ وهو سؤال أضاع التعليم كثيراً وعمق أزمته على كل المستويات… فلم نحقق فكرة التعليم من أجل التعليم لأن صناع القرار لم يكونوا ميالين لهذه الفكرة ولم تحقق فكرتهم والمتمثلة في التعليم من أجل سوق العمل والدليل واضح ولا يحتاج إلى كثير اجتهاد، بل إن شدة وضوحه تسلط الضوء على أزمة أخرى وارتباك آخر يحيل إلى تعقيدات سياسية واقتصادية واجتماعية نعيشها اليوم! وليت الجدل الطويل كان جدلا حول فكرة هل التعليم في فلسفتنا أو في استراتيجيتنا تعليم من أجل التغيير أم تعليم من أجل إعادة انتاج الثقافة نفسها؟

لا أريد أن يكون هذا السؤال سؤالا صادماً واستفزازياً ولكنه سؤال مهم من وجهة نظري، لأنه يمكن أن يجيب على سؤال أكثر أهمية: لماذا لا يغيرنا هذا التعليم كما يغير المجتمعات الغربية، ومجتمعات أخرى…؟ أما نحن، أعني العالم العربي، لا نتغير… لماذا لا نتغير؟ لا أزعم أنني أستطيع الإجابة على هذا السؤال الخطير، ولكن يبدو لي أن تعليمنا منذ المرحلة الابتدائية إلى الجامعية بقي هدفه الأول والأخير هو إعادة إنتاج الثقافة نفسها وتكريسها، ولم يكن من بين أهدافه يوماً من الأيام هدف التغيير أو الإصلاح أبداً… والتغيير هنا لا يعني نسف الثقافة الموجودة ولكنه يعني، بالضرورة، تطويرها ومراجعتها ومساءلتها أيضاً وربما تجاوزها متى ما كان ذلك سبباً للتطور والخروج من الدوائر المغلقة التي تعيد إنتاج نفسها… ولم تحقق فكرة الإحياء أو إعادة الإنتاج عربياً أي جدوى في جميع المجالات منذ القرن الثامن عشر وإلى الغد.

الآن نعود مرة أخرى إلى السؤال الأول… هل هناك أزمة؟

 علينا أن نرى المخرجات حتى نستطيع الإجابة على السؤال أعلاه، والمخرجات تكشف عن أزمة كبيرة، وربما عن أزمات موازية أيضاً. فقد تاه التعليم ودخل مراحل طويلة من التجريب الذي لم ينشأ أو يشتق من استراتيجيات محلية واضحة، وإنما ظل رهين تجارب قادمة من أماكن بعيدة من بقاع الله، تجارب نجحت في مواطنها لأنها مشتقة من أهدافه ومعطياته وخططه نحو المستقبل لكنها لم تلق النجاح المنتظر في المغرب، لأنها غريبة عنها ولا تكاد تنتمي لها. وإذا كان التعليم الخاص أراد دائما أن يقدم نفسه بأنه البديل أو حامل لواء التغيير إلا أن الأمر بات مكشوفاً كثيراً وبقيت أهدافه عند الربح التجاري فقط سواء كان ذلك تعليماً مدرسياً أو جامعياً،  ولا أستثني من هذا التعميم إلا القلة القليلة والتي يغريها مع الوقت الربح المادي فتترك الرسالة الحقيقية.

 ندرك جميعنا أنّ العملية التعليمية قائمة على أطراف ثلاثة: الأسرة، والمدرسة، ووزارة التربية الوطنية، وبالتالي فأي نجاح، أو إخفاق في العملية مسؤولة عنها هذه الأطراف الثلاثة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتحمل طرف واحد كامل المسؤولية، ومعنى ذلك فمع ظهور أية بذرة إخفاق في خضم هذه العملية على الأطراف الثلاثة أن تقترب من بعضها البعض لمعرفة مكمن الخطأ والبحث له عن حلول.

 والذي يجب أن لا يغيب عن البال أنّ هذه المؤسسات ـ المدارس ـ  التي تضم بين جدرانها الأربعة مئات الآلاف من تلاميذ وطلاب وهيئات تدريسية، يصبح يقيناً، أنها مبعث إخفاقات كثيرة، إدارية وتربوية، انعكاساً لأسباب كثيرة، فهؤلاء بشر يكثر عندهم الخطأ كما يتوالد عندهم الصح، وبالتالي فالمسافة بين الخطأ والصواب إن لم تجد من يحكمها ويقننها، ويصوب اتجاهاتها نحو الرؤى الصائبة من خلال التخطيط السليم، ومعالجة الإخفاقات في حينها، والوقوف على أي إخفاق دون إهماله حتى لا يستشري في أوصال الجسد، عوامل مهمة لإنجاح هذه العملية، أما أن يحدث شبه قطيعة في الاهتمام بمختلف القضايا التي تحدث في أوصال هذه المؤسسات على الرغم من هذا الكم الهائل من البشر الذي تضمه جدرانها الأربعة فهذا ليس من الحكمة أبداً، بخاصة أن هؤلاء جميعهم في الأطراف الثلاثة يكونون على مستوى متقدم من الوعي بمختلف قضايا العملية التعليمية، لأنهم يعيشونها بكل تفاصيلها، ويدركون في الوقت نفسه مكامن الخطأ والصواب، ويدركون أيضاً الحلول التي من شأنها أن تقضي على كل بذرة خلاف قد تحدث، وقد تعكر الصفو العام بين هذه الأطراف.

صحيح أنّ البيئة المجتمعية تفرز إشكاليات كثيرة، والمجتمع المدرسي واحد من المجتمعات التي سوف تصطدم مع هذه الإشكاليات لكثرة العدد من البشر في المجتمع المدرسي، ومن هنا تأتي أهمية أن تكون الأطراف الثلاثة قريبة من بعضها البعض طوال العام الدراسي لتلاشي مختلف الإشكاليات التي تفرزها البيئة المجتمعية وتصدرها إلى البيئة المدرسية، ولذلك نسمع دائماً عن كثير من المشاكل التي تحدث بين جدران المدرسة الأربعة، وفي المقابل تعاني هيئات التدريس من تصدير المجتمع لمشاكله إلى البيئة المدرسية، وليس الخوف فقط في هذا التصدير، بل الخوف أن تبقى المدرسة هي التي تتلقى المأزق الناشئ ما بين المجتمع وقضاياه التي لا تنتهي، وإشكالية المدرسة أنها مؤسسة تربوية، وهذا يحملها الكثير من العناء، والكثير من المسؤوليات، والكثير من الاتهامات أيضاً من قبل أبناء المجتمع، وكأن هذا المجتمع وأبناءه يعيشون في جزيرة معزولة، وليس هو من يصدر قضاياه إلى المدرسة من خلال من يمثلونه من تلاميذ وطلاب وهيئات تدريسية.

فاليوم نسمع وبملء الأفواه من تسرب آفة المخدرات بين التلاميذ في المراحل المختلفة، وكم تقشعر الأبدان من سماع ذلك، فهذه الفئة هي الموكول إليها بناء الوطن في مراحله القادمة، وكذلك نسمع عن تسرب التلاميذ من العملية التعليمية، حيث يتركون الدراسة في سن مبكرة، ويجدون أعمالا بسيطة تشبع غرورهم المادي لفترة زمنية قصيرة، وهناك مؤسسات تستقبلهم لمثل هذه الوظائف العمالية البسيطة، لأنه لا يوجد حتى الآن قانون ملزم لتكملة التعليم…

 هل أولينا العملية التربوية ما تستحقّ من عناية وتخطيط، وحصناها بما يكفل عدم بقاء التعليم عملية روتينية تفتقر إلى الإبداع والابتكار في عالم يضج في كل لحظة بجديد؟

 إن هذا المقال هو الآخر يقع في أزمة كبيرة، وهي أزمة طرح الأسئلة دون الوصول إلى إجابات شافية لها، على أن طرح السؤال هو بداية دوران العجلة نحو الأمام، وإجابات هذه الأسئلة الكبرى لا يمكن أن يصل لها مقال عابر كهذا المقال، والأمر يحتاج إلى ندوات كبيرة ولكنها عميقة أيضا هدفها وضع أجوبة وليس بهرجة إعلامية يبرز في نهايتها المثل العربي ”أسمع جعجعة ولا أرى طحينا”.

 بلادنا، وفي الحقيقة العالم العربي أجمع، ينقصها نظام تعليمي متين، وصناع قرار يؤمنون بفكرة الاستثمار في البشر دون استكثار للأموال التي تنفق على التعليم، لأنها في الحقيقة تبقى أرقاماً بسيطة مهما ارتفعت لأن التعليم هو المدخل الأول لأي تقدم ولأي نهضة ولأي استثمار مستقبلي. ولا أعني بالتعليم هنا المناهج الدراسية فقط، ولا حتى المباني، بل أتحدث عن منظومة متكاملة يتشارك فيها المعلم والمنهج والمباني والمرافق، وقبل كل ذلك استراتيجية عليا ينطلق منها وإليها الجميع.

التحدي الكبير إذن الذي علينا أن نواجهه خلال السنوات القليلة القادمة هو تحدي التعليم… والتعليم وحده هو الذي سيقرر أن يضعنا في المساحة الزمنية القادمة. فالأجيال القادمة أجيال ثائرة (لا أعني بالثورة هنا الثورة بمعناها الايجابي… الثورة الخلاقة بالضرورة) وإذا لم يهذبها ويضعها تعليم حقيقي على الطريق الصحيح فإن العالم من حولنا يضج بطرق بديلة ويمكن بسهولة أن نجدها تتغلغل عن يميننا وعن شمالنا. لقد أصبح من الضروري أن نعلم أولادنا تاريخنا وحضارتنا العريقة، وأن نعرفهم بعلمائنا وسيرة قادتنا العظماء وإنجازاتهم، وندربهم على الإبداع والاختراع، بدلا من تقديم بحوث مكتبية جاهزة ومشتراة من المكتبات، وغيرها من الأمور. ولما سئل رئيس شركة أبل يوما ما: لماذا تصنعون هواتفكم الآيفون في الخارج؟، قال لأن هناك دولا لديها عدد من المبرمجين والعمالة الماهرة وهذا نتيجة تقدم النظام التعليمي لديهم.

 ما زلت أتأمل أنّ هذه الأفواج الكبيرة من أبنائنا وبناتنا، وهم يخرجون من أسوار هذه المدارس المنتشرة في ربوع المغرب وهم يحملون خرائط مواصلة البناء… البناء المبني على معرفة وليس على تخبط، لا أن يخرجون وهم عالة على مجتمعاتهم بسبب تعليم لم يستطع أن يضعهم على الطريق الصحيح…

 ما زلت أطمح إلى عالم تتجسّد فيه المدرسة كحاضنة تربوية، تضطلع فيه إلى جانب عملية التعليم والتعلم، بمهمّة تشكيل الوعي الثقافي والحضاري والبناء الفكري للأجيال، ما يُحتم على القيّمين عليها إدراك أنّ دورها البنيوي لم يعد مقتصراً على مجرد الإسهام في رفع مستوى التلميذ معرفياً، بل يتعدى ذلك إلى ما وراء المعرفة، كمؤسسة فاعلة تخطط لأن تمتد أنشطتها إلى التلاميذ خارج نطاق المفهوم الضيق والتقليدي للمنهج المدرسي، عبر إكسابهم الخبرات والمهارات الحياتية بألوانها كافة، ووضعها موضع التطبيق، ويتأتى ذلك من خلال استحداث برامج تربوية نوعية تسهم في إعداد متعلمين دائمي التعلم، متلهفين للعمل وتحقيق الذات، متعايشين مع غيرهم على اختلافاتهم، مواكبين لتطورات العصر من حولهم، منفتحين على العالم، مسكونين بالمبادرة والابتكار!… أي مجد يمكن أن يصنعوا، أي طرق نحو المستقبل يمكن أن يمهدوا.. فقط وفروا لهم تعليماً جيداً… تعليماً حقيقياً لا مجرد عملية حشو للمعلومات تتبخر في رحلة العودة إلى البيت.

 

 

اضف رد