المغرب: انتصاراً للقانون خدمة للسياسة

الاستاذ حسن السوسي كاتب مغربي

يعرف المغرب حاليا جدلا سياسيا حادّا حول قضية الصحافية في جريدة أخبار اليوم هاجر الريسوني المُعتقلة على خلفية تهمة “الإجهاض والفساد” مع آخرين، ومن بينهم خطيبها السوداني الدكتور رفعت الأمين والطبيب المتهم بممارسة عمليات الإجهاض.

وفي الواقع، فإنّ مثل هذا الجدل قد أصبح لازمة داخل الحياة الإعلامية المغربية، تتكرّر كلّما تعلّق الأمر باعتقال أشخاص يتمتعون بوضع اعتباري ما، ثقافيّا كان أو سياسيّا أو إعلاميّا، أما إذا كان المعتقلون من عامة الناس فلا أحد يأبه لهم لا قانونيّا ولا سياسيّا.

وبالتالي، فإنّ هذه الظاهرة تستدعي لتواترها بعضا من التأمّل والتدبر مساهمة في النقاش الدائر على الساحة الوطنية، ومن منطلق محاولة فهم الذي يجري قبل المبادرة في تقديم مقترحات ما لمعالجة هذه المسألة التي يبدو أنها لم تأخذ بعدُ مجراها الطبيعي نحو الحلول الممكنة، قبل أن تُثار قضايا جديدة تغطي عليها في مفرداتها وإن كانت غير قادرة على التغطية على ما هو جوهري منها، وهو طبيعة العلاقات الممكنة، الصحية أو غير الصحية، بين ما هو قانوني وما هو سياسي.

ولعلّ أول سؤال يطرح نفسه، ويمثّل مدخلا ضروريا إلى الموضوع، هو: ما معنى تسييس قضية جنحية أو جنائية؟ ولماذا يتمّ إخراجها من دائرة القانون الذي تنتمي إليه، ليتمّ النظر إليها بعين سياسية لا تكاد تُولي أيّ اهتمام للبُعد الذي كان مفترضا أن يحظى بالأولوية فيها وهو البُعد القانوني الجزائي؟

ولا مناص هنا من التأكيد، منعاً لأيّ سوء فهم، أن هذا النزوع نحو إخراج قضايا جنائية، تخضع لحكم القانون ضمن دوائره ووفق إجراءاته ومساطره، لإقحامها في دوائر السياسة الخاضعة بالتعريف للمصالح السياسية المتباينة، ليس حكرا على توجّه سياسي أو فكري بعينه، وإنما نصادفه لدى كلّ التيارات داخل الساحة الوطنية وفي مختلف المناسبات.

إذ يكفي أن يتمّ التكييف القانوني لفعل جنحي أو إجرامي مقترف بما يراه هذا أو ذاك مناوئا لمصالحه أو مصلحة من يدعمهم فكريا أو سياسيا، حتى ينبري لرفع راية السياسة للتغطية على راية القانون عبر اللجوء إلى أساليب قد تصنّف بسهولة ضمن خانة البهلوانيات التي لا تخضع لأيّ قانون مادي أو منطقي. ذلك أنّ المهمّ بالنسبة إلى هؤلاء هو عدم ترك القانون يأخذ مجراه في التعامل مع القضايا التي هي من اختصاصه ودون مؤثّرات خارجية.

إذ ليس هناك من شك أنّ القانون قد لا يرحم عندما يتمّ تطبيق أحكامه خارج ضوضاء السياسة وضجيج مناوراتها التي لا تنتهي بغاية التأثير على القضاء أو توجيهه حتى. وهذا لا يعني إعدام إمكانية استفادة هؤلاء وأولئك من ظروف التخفيف عندما تكون متوفرة، وفق مقتضيات القانون أو انطلاقاً من تقدير القضاء لمصالح المجتمع العليا والانتصار لها. وبطبيعة الحال، فإنّ القوانين لا تخضع دائما للإجماع المطلق داخل أيّ مجتمع من المجتمعات وإنّما قد تكون محطّ قبول أو رفض، بهذه النسب أو تلك، لكن هذا لا يعني أنها لا تطبّق إلا على القابلين بها دون غيرهم، بل هي سُنّتْ أساسا لتطبّق على الجميع وبشكل لا تمييز فيه بين المواطنين، وإلا فإنها تفقد طابعها القانوني الأساسي الذي ينبغي أن يتسم بالتجرّد.

ولأن كلّ قانون يخضع لتقديرات القبول والرفض، كما أشرنا إلى ذلك، فإنّ المشرّع إدراكا منه لهذه الحقيقة، لا يغلق الباب أمام القيام بالتعديلات الضرورية لأيّ قانون، بل وأمام التخلّي عن عدد من القوانين بصورة جذرية. وهذا ما يفتح المجال أمام رافضي القانون للعمل على تغييره وفق المساطر الدستورية والقانونية التي تخوّل للمواطنين وللمؤسسات التشريعية ذلك.

وهذا يعني أنّ الموقف السلبي من قانون بعينه أمر طبيعي لأنّ تقديرات الناس تختلف وفق تصوّراتهم لمفهوم العدالة وتحديد الأفعال من حيث التجريم أو عدمه، غير أنّ هذا التقدير لا يكتسي أهميته الإيجابية إلا بالقدر الذي يكون فيه محفزا على مواجهة القانون الذي لا يحظى بالرضا والقبول، وليس بقدر ما يتمّ العمل على تهريب المشكلة من مكانها الطبيعي إلى مجالات أخرى فضفاضة وغير قابلة للتحديد، كما نلاحظ في حالات كثيرة في مجتمعنا المغربي.

ليس هناك جدار فاصل بشكل نهائي بين ما هو قانوني وما هو سياسي، هذا صحيح، تماما، غير أنّ هذا لا يعني عدم وجود تمييز جوهري بين المجالين يفرض على المرء التعامل مع كل واحد منهما بمقتضى مفردات قاموسه الخاص، وما يستتبع ذلك من مساطر وإجراءات تختلف بينهما.

ومن هنا فإنّ الوضوح في تحديد المشكلات التي ينبغي مواجهتها هو الذي يسمح بمعالجتها بما يخدم التقدّم والتطوّر في مجالاتها المحددة، بينما لا يقوم التعتيم عليها إلا بعرقلة تلك المعالجة، علاوة على الخلط الذي يحدثه في أذهان الناس حول طبيعة القانون والسياسة معا. وهو الخلط الذي نعاين نتائجه في الموقف السلبي المنهجي تقريبا منهما معا.

هكذا يبدو أن المعركة الحقيقية هي في العمل على تغيير القوانين التي تتخلّف عن واقع المجتمع، لأن الإبقاء عليها يعرقل تطوّره وتقدّمه إلى الأمام، وليس من مهام القانون أصلا عرقلة التقدّم والتطوّر، بل إعادة الأمور إلى نصابها عندما تكون هناك ممارسات تتنافى مع هذا التطوّر والتقدّم، ويمكن أن تزجّ بالمجتمع في نزاعات لا متناهية وفي الفوضى.

أما تهريب المشكلات من حقلها الحقيقي لإقحامها في حقل آخر تفاديا لمواجهة الوقائع، فإنه لا يخدم القانون، لأنه لا يريد الاحتكام لبنوده كما لا يخدم السياسة لأنه ينزلق بها إلى درك مجرّد مؤامرات وكمائن، والحال أنها أنبل من ذلك.

أي إن الانتصار للقانون، من منطلق سياسي واضح، هو الذي يسمح بتوفير الشروط الضرورية للتقويم المستمر للقوانين التي يتم سنّها على قاعدة التغيّرات التي تطرأ على المجتمعات، والتي تفرض إعادة النظر فيها لتتلاءم مع التقدّم الحاصل في المجتمع وممارساته المختلفة.

 

المصر :

https://alarab.co.uk/المغرب-انتصارا-للقانون-خدمة-للسياسة

 

اضف رد