نقطة نظام!

بقلم: جمال مكماني*

تمنحنا ظروف الأزمات والاضطرابات فرصا هائلة للتطور والمضي إلى الأمام، على عكس حالة الطمأنينة والوئام اللامبدئي. ومن أجل استيعاب ذلك والوعي به، نحتاج اليوم إلى تحليلات تستند على تشخيص دقيق للأزمة، لأن الخروج من الأزمة التنظيمية الحالية، يتطلب منا الكثير من التفكير والتدقيق والقليل من الكلام، بحيث يستحيل فهمها واستيعابها بدقة عن طريق إضفاء طابع الشخصنة والذاتية المفرطة بخصوصها رغم أهميته، بل المطلوب والراجح منطقيا وعقليا، التأسيس لفهمها عن طريق بسط أهم القضايا والتفرغ لمعالجتها كقضايا أساسية والإبتعاد ما عن أشباه القضايا المنفوخ فيها إعلاميا.

إننا في حاجة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى تحليلات تستند على تشخيص دقيق “فمن لم يقم بالتحقيقات فلا حق له في الكلام”. صحيح أن الأزمة التنظيمية الحالية قد كرست الهوة بين إرادتين من داخل الحزب، وجعلت الخيط الناظم بينهما أقرب إلى الذوبان. وصحيح أن الصراع التنظيمي الحالي قد خلف ضحايا ومظلومين ويائسين ومتهمين… وهذا طبيعي وبديهي جدا في منطق الصراع والمعارك التنظيمية. لكن كان لهذا الصراع دورا مهما في الرفع من منسوب الوعي لدى مناضلات ومناضلي الحزب، وتمرينا تطبيقيا في فن إدارة الصراع وتدبير المعارك التنظيمية. بالرغم من كون الصراع تم تحريفه بوعي أو بدون وعي عن القضايا والعناوين الأساسية التي من المفروض أن تشكل النقطة المركزية في هكذا صراع، خاصة وأنه لا وجود لمبرر لتواري بعض منظري الحزب إلى الخلف، وانتظار وقت حسم المعركة التنظيمية، التي لا تبشر جميع مؤشراتها إلى حسم المعركة هنا أو هناك.

إن منطق السياسي الناجح في الممارسة، هو الذي يستطيع أن يحول الكبوة إلى فرصة هائلة للتقدم والمضي للأمام دون الإلتفات إلى ورائه، ولعل خير دليل على ذلك، هو مسيرة المجتمعات الناجحة اليوم؛ هي التي استطاعت بوعي الإنطلاق دون الإلتفات إلى نقط ضعفها وحولتها إلى علامات للتفوق والتميز، لذلك فقد يصح القول، بأننا لا شيء فقدناه اليوم، غير فرصتنا التاريخية في التعبير عن آرائنا بكل حرية وانسيابية، لقد عانى شعورنا الجمعي خلال سنوات، ليست باليسيرة، من القدرة على البوح وتسمية الأمور بمسمياتها، حد الإنحباس وبالتالي الإنفجار نتيجة العديد من الشروط الذاتية والموضوعية لا يسمح الموضوع بذكرها.

إن أحد مداخل الإنطلاقة الجديدة لمشروع نأسف كثيرا عن مسه ولو قليلا بما يسيء إليه، إحتراما لنوايا ومنطق تفكير المؤسسين ولصدق تعاطي الصادقات والصادقون من المغاربة المنتمين إليه ، هو العمل على المساهمة كل من موقعه على تجاوز الأزمة الحالية؛ هذا التجاوز الممكن لواقع الأزمة الحالية، مرتبط أساسا بالعمل بنفس جماعي وحدوي على توسيع دائرة المشترك بين الإرادتين، فلا التدوينات السلبية ولا التصريحات الطائشة الشبيهة بإطلاق الرصاص على السراب، بإمكانها المساهمة في ذلك، بحيث لا يمكن إطلاقا حسم المعركة بطريقة مريحة لأي من الإرادتين الموجهتين للصراع، لأن قدرهما هو الزواج الشبيه بالزواج الكاتوليكي، لأنه هو سر التفوق وقهر الخصوم. ومن بين ما يزكي هذه الأطروحة هو ما عشناه مؤخرا على مستوى التعديل الحكومي الأخير، فكل مؤشراته توحي أنه في الحاجة إلى البام وإلا الحزب الواحد؛ أو ليس هو الذي خرج منتصرا وحيدا من ذلك التعديل، وأن الفرق بينه وبين حلفائه شبيه بالمسافة الفاصلة بين الشمس والقمر.

إن الإشارات التي تبدو هنا أو هناك والتي تصب في اتجاه لم الشمل والتعايش من أجل إستمرار المشروع، وتدبير الصراع والإختلاف عن طريق أية آلية تتأكد نجاعتها، تبقى لها أهميتها التي تساوي بدون لف ولا دوران الحكمة. فكما أبدعنا خلال الشهور الماضية، في التفكير في صيغ تهديم بعضنا البعض، علينا اليوم الإبداع في صيغ البناء الجماعي بنفس وحدوي يتسع للجميع. إني لا أتفق لا من قريب ولا من بعيد على كل من تسول له نفسه، من قريب أو بعيد، لإطلاق النار على أية مبادرة تصب في اتجاه لم الشمل واسترجاع النفس الوحدوي، وفق تصور جديد يرسم الخطوط العريضة لممارسة سياسية مستقيمة نحترم فيها ذواتنا والمغاربة قاطبة.

لقد كانت مبادرة الأخت رئيسة المجلس الوطني، وتم تضييعها بطريقة ساذجة في لغة السياسة، واستخلصنا من خلالها دروسا قاسيا في تضييع مثل هذه الفرص. الآن ما يبدو من مبادرات يسكنها هاجس التجميع، ينبغي أن يتم الترحيب بها من حيث المبدأ، بينما التفاصيل هي في مجملها قابلة للنقاش، ونعتبرها على أنها تأتي في سياق تراكم المبادرات على أساس مبادرة الأخت رئيسة المجلس الوطني شريطة جعلها بعيدة عن وسائل الإعلام. كما أنه من باب التفكير البرغماتي للجميع الرامي إلى لم الشمل، الإستعانة بخدمات الأخ رئيس المكتب الفيدرالي، على أساس ما أتبثه في عدة مناسبات واضحة لتجميع مكونات الحزب والعودة إلى جادة الصواب، وبما يتميز به من قدرات لتحقيق التوافقات، وما يحضى به من إحترام من طرف جميع فعاليات الحزب، في إيجاد صيغة للخروج من هذا المأزق، وبذلك نكون قد أعدنا الإعتبار لجميع مؤسسات الحزب؛ الأمانة العامة ورئاسة المجلس الوطني ورئيس المكتب الفيدرالي. بعد ذلك يمكن على أساس رؤية متفق بشأنها أن على الخط كل أعضاء المجلس الوطني عبر دورة استثنائية يتحقق فيها لم الشمل، ونعلن إنطلاقة جديدة عبر تحديد تاريخ المؤتمر، مؤتمر وحدي يكون هاجسه التخطيط للمحطات القادمة.

*جمال مكماني: عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة

اضف رد