الشعب اللبناني ينتفض ضد الطائفية والفساد.

انغير بوبكر
المنسق الوطني للعصبة الامازيغية لحقوق الانسان بالمغرب

بعد فترة من الركود السياسي  عرفها الشارع اللبناني  يمكن تفسيرها بالاشباع الاحتجاجي  الذي عرفته الساحة اللبنانية  عقب  الاحداث الدامية والاغتيالات السياسية التي عرفتها الساحة اللبنانية منذ بداية سنة 2004  والتي اودت بعدد كبير  من المثقفين والسياسيين و الاعلاميين والامنيين  من بينهم الرئيس رفيق الحريري و جورج حاوي و سمير قصير واللائحة طويلة والتي مازال الجاني في هذه الجرائم حرا طليقا، حيث ان الاغتيالات السياسية أججت الساحة اللبنانية وقسمت البلد الى فريقين  على الاقل ، فريق موالي لنظام بشار الاسد وللمحور الايراني تحديدا  وفريق موالي للغرب و للمحور الخليجي الامريكي ، وهناك  بطبيعة الحال قوى وهيئات وفعاليات وتنظيمات مستقلة و رافضة لكل الاستقطابات الخارجية لكنها قوى هامشية ضعيفة التاثير  ومحجمة بفعل سيطرة المنطق  الطائفي على زمام الامور وعلى مفاصل البلد .بقي اللبنانيون  منذ فترة طويلة رهينة في ايدي القوى الاقليمية والدولية واصبح البلد   محط تجاذبات اقليمية وساحة تصفية صراعات دولية اكبر من مساحة وحجم لبنان.

الشعب اللبناني  انتفض مجددا  ونهض من قمقمه ليعبر عن رفضه للسياسات المتبعة من طرف حكومة يسيطر عليها محترفو السياسة من الوجوه القديمة التي مل الشعب اللبناني من رؤيتها، ومعظمها عاصر الحرب الاهلية اللبنانية في الثمانينات  بل شارك فيها مشاركة فعالة . الشعب اللبناني الذي يشكل الشباب عموده الفقري  انتفض ضد طبقة سياسية لبنانية هرمة، بدءا   من  رئيس جمهورية لبنان الذي بلغ من العمر عتيا  والذي ينحدر من الطبقة العسكرية فيما المجتمع اللبناني كان نموذج يحتذى به في المدنية والتمدن والحريات ، فكيف لقائد عسكري ان  يقود شعب ضحى غاليا  من اجل الحرية والديموقراطية وفصل الجيش عن السلطة السياسية  ؟ الشعب اللبناني ينتفض ضد محاصصة طائفية ابقت رئيسا هرما و مستهلكا كرئيس لمجلس النواب اللبناني مدى الحياة ، انتفض الشعب اللبناني لانه يرى البلد باكثر من جيش واكثر من موقف ديبلوماسي وسياسي خارجيا  و اكثر من  محور اقليمي يتصارع على ساحة لبنان ، انتفض الشعب اللبناني على حكومة عاجزة عن تلبية مطالب الشعب اللبناني ، حكومة ترضيات وتوافقات و تزكيات خارجية وداخلية  .

 لقد حان الاوان ان يعيد الشعب اللبناني النظر في الدولة الطائفية التي تحكم لبنان ، دولة استندت على اتفاق الطائف المتجاوز جدا والذي يحول لبنان يوميا الى جزر طائفية متناثرة يسيرها امراء الحرب و محتكروا السياسية. لقد شكل الصراع مع اسرائيل احد مبررات التعطيل الديموقراطي للبلد واستغلت بعض القوى اللبنانية الرئيسية رصيدها الشعبي المستمد من المقاومة  لتكبيل العملية السياسية اللبنانية ، لذلك  شكلت انتفاضة الشعب اللبناني بداية الوعي بضرورة الفصل بين المقاومة الشعبية كحق مشروع وبين استغلال المقاومة ورصيدها الوطني  للاعتداء على  الاخرين داخل وخارج لبنان و محاولة فرملة اي تغيير ديموقراطي جذري . لقد كان خطاب حزب الله وامينه العام اثر انتفاضة اكتوبر 2019  دليل كافي على ان استراتيجية الحزب في السنوات الاخيرة باتت تشكل خطرا على الديموقراطية اللبنانية كما شكلت وبالا على الشعب السوري ، فمتى يتوقف حزب الله من استثمار قوته التنظيمية والعسكرية و رصيد المقاومة ضد اسرائيل ، في تعطيل تطلعات شعوب المنطقة  الطامحة للديموقراطية وحقوق الانسان و التداول السلمي على السلطة ؟. متى يعلم حزب الله والقوى اللبنانية الحليفة له ان زمن الوصاية الايرانية  على لبنان والمنطقة  لم يعد مقبولا من شعب لبناني يرد العيش بحرية وكرامة وبعيدا عن الاحقاد والضغائن والحروب المجانية؟ ،  متى سيفهم الحريري و فريقه السياسي الموالي له  ان  احتكار ثروات البلد و التعويل على اموال الخليج و شراء النخب السياسية والاعلامية لم يعد امرا ناجعا في ظل شباب تربى على المعلومة الحرة المتوفرة بفضل الثورة الاعلامية والتكنولوجية ؟  متى يعلم  جنبلاط وفريقه  ان التقدمية والاشتراكية لا توجز احتكار ووراثة الاحزاب  السياسية ولا تستقيم الاشتراكية والتقدمية مع تمثيل طائفي ومذهبي صغير ؟ متى تقتنع  القوى السياسية اللبنانية   بان الوصاية على الشعب اللبناني باتت مستحيلة في ظل شباب  ناضج واعي منفتح  يعشق العيش   الكريم والحرية في كنف بلد ديموقراطي تعددي علماني  لا تحكمه الطوائف والاديان . لا كركي ولا المجلس الاعلى الشيعي ولا اهل السنة .

 ان  انتفاضة الشعب اللبناني  في اكتوبر 2019  تعبير على ان الطبقة السياسية اللبنانية باتت دون مصداقية سياسية  وان الوعي السياسي اللبناني استفاق من اوهام الطائف والطائفية و الفساد المنتشر الذي تغطيه الطوائف . وان جميع خطابات السياسيين التي تزعم الاصلاح والذود عن استقرار البلد لم تعد تقنع الشباب اللبناني .  فكيف يثق الشعب اللبناني في رئيس ينصب صهره وزيرا للخارجية ؟ و رئيس مجلس نيابي لمدى الحياة ؟ ورئيس حكومة مشلول الحركة  و دون سلطات واسعة مكبل بما يسميه الساسة اللبنانيون بالثلث المعطل ؟  كيف يمكن لشباب لبناني ان يثق في احزاب اشخاص  وعائلات  وليست احزاب برامج ؟

 نعم الشعب اللبناني ليس وحده من يعيش  اوضاعا سياسية واجتماعية مزرية وفسادا وريعا اقتصاديا مهيكلا فكلنا شعوب المنطقة على صفيح اجتماعي واقتصادي ساخن  . ولكن حتما  انتصار الشعب اللبناني سيكون بارقة امل للشعوب الاخرى ، لان في الحقيقة الانتفاضات المنتشرة شرقا وغربا  هي تعبير عن افلاس الخيارات الراسمالية وفشل جميع الحلول الاقتصادية الترقيعية التي افقرت الشعوب وافلست البلدان لنيل ثقة المؤسسات الدولية واغناء الاغنياء وافقار الفقراء .

اضف رد