على هامش ذكرى اندلاع حرب التحرير الجزائرية الغاية النبيلة لا بد أن تجد نبلاء لتحقيقها

عبد السلام البوسرغيني

كلما حل يوم فاتح نوفمبرذكرىاندلاع ثورة التحرير الجزائرية المجيدة، تعود بي الذكريات الى تلك السنين التي عشنا خلالها نحن المغاربة أحداثها بكل الحماس الذي لم يكن يقل عن حماس الجزائريين٠ وربما لطول عهدنا بتلك الثورة الخالدة لم يبق سوى القليل من الذين عاشوا عصرها ليتذكروا، إذ لم يترك لنا الذين حكموا الجزائر منذ استقلالها الفرصة لنحتفل بها كإحدى ذكرياتنا٠ لقد كنت شخصيا من الذين عاشوا فترة حرب التحرير الجزائرية على طول مدتها من سنة1954 إلى سنة 1962، وكنت محظوظا بمرافقة ومعاصرة بعضا من الذين ارتبطوا عضويا بها أو كانوا رفقاء قادتها. وأذكر في مقدمتهم المجاهد الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي بارك الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية.

كنت ممن انتسب الى الحركة الوطنية منذ نعومة أظفاري، وكان لي كغيري من المناضلين اهتمام بكل ما يتعلق بالجزائر، بعثته فينا جريدة (البصائر) الجزائرية التي كانت تتميز ببعث الروح الوطنية والنضالية وبما كانت تقدمه من أفكار وآراء مزيدا من الإيمان إضافة الى كونها ضاعفت من ارتباطنا الأخوي بالشعب الجزائري

كتب لي أن التحق بالعمل في جريدة (العلم) في منتصف سنة 1957 فوجدت نفسي أكثر اتصالا بالثورة الجزائرية التي كانت في أوجها. كان علي أن أتتبع وأستقصي أخبار الثورة الجزائرية نظرا لقلة المصادرين ذلك الحين ولكون الرأي العام المغربي كان متعطشا لمعرفة تطور النضال الجزائري٠ولقد تضاعف اهتمامي بالثورة الجزائرية مع التحاقي بالعمل في جريدة (التحرير) في أوائل سنة 1959 والعمل تحت قيادة الأستاذ المجاهد عبد الرحمان اليوسفي، الذي كان من رفقاء قادة الثورة الجزائرية، بل وكان شريكا في قيادة الثورتين المسلحتين المغربية والجزائرية.
كانت جريدة “التحرير” بمثابة الناطق باسم الثورة الجزائرية. وأتذكر هنا الحملات التي كانت تشنها جريدتنا ضد المشروع الفرنسي الذي كان يستهدف فصل الصحراء الكبرى الجزائرية عن وطنها وإقامة كيان صحراوي منفصل قصد احتفاظ الدولة الفرنسية بالثروة البترولية المكتشفة في الصحراء.

تلك صفحة مجيدة من التاريخ، لكن من سخرية القدر أن دفاع المغاربة عن الوحدة الترابية الجزائرية في أوائل الستينات، قابله حكام الجزائر بقيادة الرئيس الراحل هواري بومدين في السبعينات، بالطعن في الوحدة الترابية والوطنية التي استرجعها المغرب في صحرائه الجنوبية، بل ذهبوا إلى حد تعبئة إمكانيات الجزائر لمحاربته بالسلاح وتجنيد سكان الصحراء ضد بلادهم.

كنت في مختلف الصحف التي اشتغلت فيها حريصا على المساهمة كتابة في الاحتفال بذكرى فاتح نوفمبر٠ وربما كان ما نشرته في جريدة “الأنباء” في أوائل السبعينات هو الذي أتاح لي زيارة الجزائر وانضمامي الى وفود صحفية من مختلف الدول، حيث أتيح لنا مرافقة الرئيس الراحل هواري بومدين في جولة له لتنصيب المجالس المنتخبة لبعض الولايات٠ ولقد كشفت لي تلك الجولة عن صورة الجزائر، لا كما كنت أتصورها ولكن كما هي على حقيقتها.

كان قد مر على قيام نظام هواري بومدين سبع سنوات عندما زرت الجزائر، وبدا لي أن هذا النظام رغم عائدات النفط الوافرة لم يستطع أن يوسع على الشعب الجزائري، إذ كان التقشف سيد الموقف ولا تجد ما تقتنيه كهدية من رحلتك الى هذا البلد. وقد صادفنا مواصلة حملة التعريب التي أبى الرئيس بومدين إلا أن يجعل منها معركة فاصلة. وكما استنتجنا فان الحملة لم تراع ما يتطلبه تطبيق التعريب من تدرج بحكم تجذر اللغة الفرنسية في المجتمع الجزائري نتيجة استعمار طويال الأمد حارب اللغة العربية وحاصرها في مختلف مرافق الحياة. ولحد الآن ما يزال الجزائريون يخلطون في أحاديثهم اللغة الفرنسية بلغتهم العربية أو الأمازيغية، ولم يستطيعوا التخلص منها٠ وكما بدا فمن مساوئ حملة التعريب “المتوحشة” لجوء السلطات على عهد بومدين إلى معلمين وأساتذة من الشرق العربي، كان ضمنهم كثير من المنتسبين لتنظيمات الإخوان المسلمين، زرعوا في المجتمع الجزائري بذور التطرف. وقد أدى ذلك في فترة حرجة من تاريخ الجزائر وعندما كانت تطل على الانفتاح والتعدد السياسي والحزبي بعد انتفاضات اكتوبر1988، إلى أحداث خطيرة، ببروز التيارالإسلامي العنيف، مما أدى إلى نشوب حرب أهلية في تسعينات القرن الماضي٠ ويحكى أن تقديرات ضحايا هذه الحرب القذرة تجاوز المائة ألف بكثير، وتكبدت البلاد خسائر جسيمة في البنيات الاساسية٠ ومن مضاعفات تلك الحرب انها أصبحت فزاعة يلجأ إليها من يعارض أية حركة للتغيير الذي تتطلبه الأوضاع أو الإصلاح أو محاربة الفساد وذلك كلما حاول الناس القيام بحملات لتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية٠

وبعد ، لقد كنت رسالة جلالة محمد السادس لتهنئة الجزائر بذكرى ثورتها الدافع الذي حدا بي وحفزني على الكتابة عن الثورة الجزائرية المجيدة٠ وإنني لمتأكد من ان رسالة الملك إلى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مخلصة في محتواها ومفهومها ومراميها ، وليست من قبيل المجاملة الديبلوماسية (العداوة ثابتة والصواب يكون ، كما يقول المثل المغربي ). فالمغرب لا يضمر للجزائر ولشعبها أية ضغينة أوعداء ولا ينازعها في أي شبر من أراضيها ولا يترك أية فرصة ألا ويسعى لإنهاء الصراع الذي فتحه ضد المغرب نظام هواري بومدين وما يزال في صفوف من يحكم الجزائر يحرصون على استمراره٠ والمغرب أذ يسعى الى إعادة فتح الحدود، فإنما يفعل ذلك لإحياء روابط الاتصال والتعاون بين البلدين والشعبين٠أفلا يكون من الجور فرض هذه القطيعة التي تضيع على الطرفين فرص تبادل المنافع وتحقيق الاندماج على غرار جيراننا الشماليين ان الغاية النبيلة لا بد ان تجد يوما ما نبلاء يسعون لتحقيقها.

اضف رد