الإدريسي الرسائل العشر لوقفة الكرامة

د/ خالد الإدريسي

دعت هيئة المحامين بالرباط إلى وقفة اليوم الجمعة أمام البرلمان للتعبير عن رفض المحامين لمجموعة من المستجدات التشريعية و مشاريع القوانين التي ستؤثر سلبيا على مهنة المحاماة على مستوى إضعاف أدوارها داخل المجتمع و داخل منظومة العدالة بصفة عامة , أو على مستوى استقلاليتها و حصانتها و دورها الحقوقي .

و قد عرفت الوقفة التي يمكن وصفها بوقفة الكرامة نجاحا منقطع النظير سواء من خلال الحضور النوعي أو الكمي , أو من خلال الطرق النضالية و الشعارات المستعملة التي كانت تعبر عن انشغالات المحامين و على مطالبهم العادلة و المشروعة بشكل سلمي و حضاري .

و يمكن القول أن النجاح المبهر الذي عرفته هذه الوقفة يرسل إشارات و رسائل متعددة لكل من يهمه الأمر , و هي كثيرة و متعددة , ارتأيت أن اكتفي بأهم عشرة رسائل يمكن أن نستشفها من وقفة الكرامة .

1) أكدت بوضوح وحدة الصف المهني و تعاضده في المواقف الكبرى التي تكون محل إجماع من طرف الجسم المهني أفرادا و مؤسسات ، بعيدا عن الحسابات الشخصية و المصلحية و السياسية و العرقية و الإنتخابوية الضيقة . و بالتالي فهذا التكتل و التعاضد و التماسك بين المحامين قاعدة و أعضاء مجالس و نقباء هو المادة الأساسية التي ستقوي اللحمة المهنية ، و ستجعل مواقف الدفاع أقوى و أكثر تأثيرا سواء في القضايا الآنية أو المستقبلية .

2) وجهت رسالة قوية واضحة غير مشفرة للدولة أن المحاماة ليست حائطا قصيرا يمكن أن تمرر فوقه أي قوانين فيها انتقاص من شأن مهنة الدفاع ، و تبخيس لدوره في عملية تصريف العدالة . و أن الزملاء و الزميلات جند مجندون للدفاع على حقوقهم و مصالحهم التي تعتبر في نهاية المطاف ضرورة من ضرورات تحقيق العدالة و خدمة للمجتمع من أجل ضمان الأمن القانوني و القضائي و تحقيق الإستقرار المجتمعي .

3) أعطت إشارات قوية لا غبار عليها أن المحاماة لاعب مهم داخل ملعب العدالة و يجب أن يتم إشراكه دائما في كل ما يرتبط بالإصلاحات التشريعية القانونية و المسطرية و المؤسساتية المرتبطة بمجال العدالة . فالمحاماة عبارة عن شريك رئيسي داخل منظومة العدالة و فاعل أساسي يقرر و يدبر ، و ليس مفعول بها يقرر و يدبر لها ، و بالتالي على الدولة أن تعي و تقتنع أن مهنة الدفاع قوية بمؤسساتها و برجالها و بنسائها و برسالتها و بتاريخها و بأعرافها و تقاليدها ، و أنها تختلف عن باقي المهن التي نجحت في تدجينها و إضعافها .

4) خيبت وقفة الكرامة ظن الكثير من أبناء مهنتنا الذين كانوا يتمنون فشل هذه الوقفة فقط لأنها كانت بمبادرة هيئة الرباط و نقيبها و أحسوا أن بساط القيادة و الريادة المتوهم يسحب من تحت أرجلهم , و كانت هناك تصريحات و ليس فقط تلميحات على أن الوقفة ليست في محلها و أن المبادرة الأحادية لهيئة المحامين بالرباط هي مغامرة غير محسوبة العواقب , لكن الواقع اثبت عكس تخمينات هذه الجهات و عكس تمنياتها , و كانت وقفة اليوم وقفة تاريخية بكل ما تحمل الكلمة من معنى .

5) أرسلت مؤشرات كبرى على المرونة النضالية لمهنة الدفاع التي يمكنها أن تعتمد على أكثر من شكل نضالي سواء كان رمزيا أو ميدانيا ، و ذلك بحسب أهمية القضية موضوع النضال . فالدفاع من خلال هذه المحطة أعطى إشارة لكل من يهمه الأمر أن المحاماة مهنة قوية و تستطيع كما تدافع على حقوق و مصالح الناس ، أن تدافع على حقوقها و مصالحها و أن تصل بالأشكال النضالية إلى أبعد مدى ، و هذه الوقفة هي عبارة عن مفهوم جديد سيزيل الغبار عن كل من كان له شك في قوة المحاماة أو كان متوهما أنها في طريقها نحو الموت .

6) أوضحت انه يمكن تجاوز جمعية هيئات المحامين بالمغرب كإطار وطني يتضمن قي طياته الهيئات السبعة عشر المكونة للجسم المهني للمحاماة بالمغرب ، من اجل النضال بشكل مستقل و تسجيل مواقف حاسمة و آنية على المستوى الوطني تكون في مصلحة مهنة الدفاع ، فقد أبان التاريخ القريب أن انتظار تحرك الجمعية في بعض القضايا الكبرى و البالغة الخطورة يطبعه الكثير من البطىء و تداخل الحسابات الواضحة و الخفية بشكل يجعل التدخل إما فاقدا لأهميته الآنية أو الموضوعية أو لا يكون هناك أي تدخل أصلا ، و يشكل هذا الأمر في نهاية المطاف وبالا على المهنة . وهذا الأمر هو الذي يجعلنا نؤكد بكل إفتخار أن تحرك هيئة المحامين بالرباط كان خطوة جريئة لتجاوز جمود و عجز جمعية هيئات المحامين بالرباط .

7) انه رغم عدم انخراط جمعية هيئات المحامين بالمغرب و باقي الهيئات الستة عشر الأخرى بشكل رسمي ، فان الحضور المكثف للعديد من الزملاء من مختلف الهيئات منح للوقفة بعد وطني و شمولي ، و أكد أن المحامي كفرد يبقى مستقلا في تبني مواقف مهنية و حقوقية مادامت نابعة من قناعاته الذاتية . و لذلك يحق لنا وصف الوقفة بأنها وقفة وطنية و ليست وقفة خاصة بهيئة المحامين بالرباط .

رسخت الوقفة أن القاعدة المشكلة من عموم المحامين بالمغرب مستعدة لتحمل مسؤوليتها المهنية و الحقوقية و مؤازرة المؤسسات المهنية في المواقف الكبرى التي تحتاج فيها إلى مؤازرة و دعم ، و على أن تلك الهوة الشاسعة ما بين القاعدة و المؤسسات المهنية المنتخبة التي تدبر الشأن المهني سارية في الإضمحلال ، و أن كل المؤشرات تؤكد أن هناك وعي كبير بضرورة الإتحاد و التماسك و التنسيق ما بين القاعدة و أعلى الهرم ، في سبيل تحقيق الطموحات المهنية المشروعة و المساهمة الفعالة في ترسيخ دولة الحق و القانون .

9) كانت الوقفة عبارة عن تعبير صريح عن موطن الداء الذي يمس مهنة الدفاع و يؤثر على حصانتها و استقلاليتها ، و الذي يتجلى بالأساس ليس فقط في المادة 9 من قانون المالية لسنة 2020 الذي يتسم بعدم الدستورية و يضرب في العمق حجية الأحكام و القرارات و يمس بمبدأ الأمن القضائي ، و لكن أيضا في ” الإصلاحات التشريعية ” التي تمس استقلالية المحامي و حصانته ودوره في الدفاع و لا سيما تقليص دوره و مهامه في كل من قانون مهنة المحاماة و قانون المسطرة المدنية ، و تحجيم إستقلاليته و حصانته في قانون المسطرة الجنائية ، و أيضا كرفض لتعامل الدولة مع المهنة بخصوص الملف الضريبي و ملف التعاضدية التي تحاول من خلالهما الدولة الضغط على المهنة و التعامل معها على أساس أن ممتهنيها يمارسون نشاطا تجاريا و ليس رسالة إنسانية .

10) دعمت صورة و سمعة هيئة المحامين بالرباط كهيئة رائدة على المستوى الوطني و قائدة لباقي الهيئات في نضالاتها التاريخية سواء من أجل الدفاع عن القضايا الحقوقية و مواجهة إنتهاكات حقوق الإنسان أو من أجل ترسيخ مواقف مهنية قوية و جريئة ، و التاريخ يشهد على الأدوار الكبيرة و القيمة التي قامت بها هيئة المحامين بالرباط من خلال مجالسها و نقابائها و جهابدة محاميها في الدفاع عن القضايا المهنية و الحقوقية ، و هي خطوة تحسب لنقيب هيئة المحامين بالرباط و للمجلس و لقاعدة المحامين و لكل الزملاء و الزميلات الذين شاركوا هيئة الرباط هذا العرس الحقوقي و النضالي الذي نتمنى أن يتم تعميمه على المستوى الوطني من خلال تبنيه من طرف الجمعية و باقي الهيئات حتى يكون التأثير ذا بعد وطني شمولي أكثر قوة و هيبة ، و تصبح حينئذ وقفة الكرامة وقفة تجسيد للمطالب و تحقيقها و ترسيخها بشكل فعلي و عملي . و قل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون . صدق الله العظيم .

L’image contient peut-être : 6 personnes, personnes souriantes

 

اضف رد