السوسي : خواطر سياسية حول القضية الوطنية

Résultat de recherche d'images pour "حسن السوسي""لامني صديق عزيز، في إحدى جلساتنا الدورية الخاصة للدردشة حول بعض القضايا الفكرية والسياسية، عن الشوفينية التي لمسها في موقفي من قضية الصحراء المغربية لا سيما في كتاباتي التي تتناول القضية في مختلف الجرائد والمواقع الإلكترونية فضلًا عن تدويناتي المتكررة على الفايسبوك حول الموضوع.

قلت في نفسي: الرجل حذر عادة في أحكامه وغير حدي في تقديراته لأنه يمتلك بكل بساطة القدرة الكافية على التمييز بين المفاهيم والمواقف لما يتوفر عليه من عقل راجح ومعرفة بقضايا السياسة والاستراتيجيا الإقليمية والدولية، إضافة إلى أنه رجل لا يمكن ربطه بأي أجندة أجنبية أو مصلحية مباشرة أو غير مباشرة تملي عليه اتخاذ مواقف يستهدف منها ربحًا ما أو يتقي منها خسارات مادية أو معنوية ما.

والرجل، فوق هذا وذاك، صديق عزيز وليس ممكنا له أن يصدر في رأيه عن مواقف سلبية مسبقة مني ومن آرائي ومواقفي رغم معرفتي تمام المعرفة أنه لا يشاطر الكثير منها على المستوى الوطني والإقليمي والدولي. لكن مع كل ذلك فأنا على يقين من أن الرجل لا يضمر لي غير الخير كل الخير . فما خطبه إذن؟ وأين لمس في موقفي المنحاز إلى القضية الوطنية المغربية ولو أدنى رائحة من الشوفينية التي يتحدث عنها هكذا وبهذه الطريقة التي توحي أن لبس فيها بالنسبة إليه. مع العلم أن موقفي ليس في كل الأحوال جديدًا بل هو موقف قديم يعود إلى عقود طويلة، هي عمر القضية الوطنية المغربية في طبعتها لما بعد المسيرة الخضراء.

وهنا لا بد أن أستثني بالطبع عددًا من التساؤلات التي أثارها الموقف الرسمي المغربي من تقسيم الصحراء على أساس اتفاقية مدريد الثلاثية بين المغرب وموريتانيا واسبانيا التي كانت تحتل المنطقة بعد المسيرة الخضراء.

لكن قوس تلك التساؤلات قد تم إغلاقه تمامًا عندما تم تحكيم المنطق الجدلي في التعامل مع التناقضات في التحليل وفي تحديد المواقف حيث تبين أن التناقض الرئيسي حينئذ يتجسد في المشروع الانفصالي الذي حاولت القوة الاستعمارية الأسبانية فرضه في جنوب المغرب والذي تلقفته القيادة الجزائرية فدعمته على جميع المستويات.

أما قضية التقسيم مع موريتانيا فلم تكن غير بعد من الأبعاد الخاصة للتناقض الثانوي لا سيما متى تم النظر إلى القضية من زاوية المصالح المشتركة بين المغرب وموريتانيا في مناهضة مشروع الدويلة القزمية في الصحراء وتبعاتها الاستراتيجية الخطيرة على مستوى علاقات المغرب بافريقيا وعلاقاته بساكنة المناطق المغربية المحتلة أو المتنازع عليها إلى حد الآن.

وعلى كل فقدم تم طي صفحة التقسيم عمليًا عندما استطاع المغرب استرجاع منطقة وادي الذهب وتقديم أهلها البيعة للملك الراحل الحسن الثاني عام 1979.
صحيح أن أسئلة تاكتيكية كثيرة، أو ربما استراتيجية أيضا، قد أثيرت حول تدبير الدولة للملف في عدد من المنعطفات التاريخية يكفي هنا إلى التذكير موقف الملك الحسن من استفتاء تقرير المصير في قمة منظمة الوحدة الأفريقية في نيروبي عام 1981 وما تلاه من استمرار للاحتقان السياسي في البلاد وخاصة مع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي انتقد الموقف الملكي وأدت قيادته آنذاك ثمن هذا الانتقاد الذي يبدو أن الدوائر العليا في البلاد كانت قد فسرته بطريقة ضيقة عندما أقحمته في مجال الطعن في سيادة قرارات الملك، والحال أن الأمر كان يعني منح المغرب فرصة إعادة تقدير الموقف متى تطورت الأمور باتجاه لم يكن هو قصد الملك من الاعتراف بحق تقرير المصير الذي كان معروفًا أنه ما لجأ إليه إلا لإطلاق ديناميكية جديدة قد تدفع بالنزاع الذي كان مسلحا وشرسا إلى حلول سياسية تقي المنطقة مزيدا من الخراب والتدمير.

ولعل هذا ما دفع الحسن الثاني إلى نوع من التمييز بين تصوره لتقرير المصير وبين تصور الانفصاليين والجزائر عندما تحدث عن الاستفتاء التأكيدي وليس استفتاء من أجل تقويض مكتسب الوحدة الترابية للشعب المغربي رالذي تحقق في أقاليم الجنوب بعد المسيرة الخضراء واستعادة إقليم وادي الذهب في عملية استباقية استراتيجية فوتت على الجزائر فرصة كانت تريد اقتناصها لإقامة دويلة تابعة لها على هذا الإقليم. لتشن منه حربها على المغرب بدل انطلاق عصابات البوليساريو المسلحة من تيندوف التي تقع تحت الإدارة الحصرية للجزائر والتي تحولت إلى منطلق العدوان على المغرب منذ عشرات السنين.

داهمتني كل هذه الذكريات وأنا أفكر برهة في لغة اللوم التي صاغ بها صديقي ملاحظته فانتبهت إلى أنه لم يقم بذلك إلا ليسمع مني حجتي في الموضوع أو ربما تبريري للموقف لأن من يصوغ مثل ذلك الموقف النقدي الصريح ينطلق صراحة أو ضمنًا من اعتقاده بضعف حجة من وجه إليه وأن كل ما قد يصدر عنه ليس يخرج عن دائرة التبرير.

وهنا بادرته بملاحظة تحمل هي كذلك سؤالًا عليه، هو بالذات أن يجيب عليه قبل أن أقدر ما إذا كان علي أن أقدم حجة أو تبريرا يضع موقفي في سياقه الفعلي.

قلت له بكل بساطة:

أنت تفاجئني بهذا الأمر حقا، فأنا لم أفكر في أمر الشوفينية التي تتحدث عنها حتى مجرد تفكير في أي يوم من الأيام. فهل لك أن توضح الأمر لعلني أغادر حقل الشوفينية إذا انزلقت إليه دون وعي مني دون مغادرة حقل الوطنية لأن هذا من المستحيل ولا أعتقدك تنتظر مني ذلك؟

حينئذ سألني صديقي دونما تردد، كما لو كان ينتظر سؤالي هذا بالذات: وهل الوطنية شيء آخر غير الشوفينية المقيتة؟

شعرت بقشعريرة غضب تتملكني لكنني كظمتها ونظرت إليه باستغراب كمن يطلب المزيد من التوضيح.

سكت برهة قصيرة من الزمن من حيث ثوانيها الفعلية غير أنها طويلة إلى حد لا يطاق بالنسبة للزمن النفسي الذي وضعني فيه هذا السؤال الاستنكاري. ثم استأنف حديثه قائلا: لا يخفى عليك أن ما يسمى بالقضايا الوطنية ليس غير حيلة تلجأ إليها الأنظمة السائدة في كل زمان ومكان لإبعاد الناس عن قضاياهم الحقيقية، ولا ينبغي لك أنت أن تقع أيضًا تحت تاثير هذا التضليل، لأن مهمتك كما هي مهمة أصحاب القلم والفكر في كل مكان هي التنوير والتنوير فحسب. إن الحقيقة الوحيدة عبر التاريخ هي حقيقة الصراع الطبقي، ولا شيء ينبغي أن يحرف الأنظار عن هذه الحقيقة.

فكرت لحظة في أن أقول له: اغرب عن وجهي لأن ما قاله ليس سوى أسطوانة مشروخة من ماضي إيديولوجيا التضليل الذي يرغب في تفنيدها في الأصل. فق كان عليه أن يتنبه إلى أحابيل الإيديولوجيا فإنها متعددة وليست ذات اتجاه واحد.

وهكذا فإن كل إيديولوجيا تحاول تقويض غريمتها بالأساليب إياها التي تعتمدها هذه وتلك في آن واحد. لكنني تمالكت نفسي فقلت له: أنت تتحدث لغة غريبة عن العصر صديقي العزيز، فحتى في عهد الايديولوجيات الشوفينية العريقة التي أثارت الحروب المدمرة في أكثر منطقة من العالم لم يكن أحد يجرؤ على تغافل البعد الوطني الجامع في كل عمل سياسي جاد فأحرى إذا كان الأمر يتعلق بالنزاعات المسلحة حيث يتم الزج بكل مقدرات الأمة والوطن في الميدان حماية للوطن والأمة وليس حماية لأي طبقة ما بشكل حصري كما يتم زعم ذلك. ولا يشذ عن هذه القاعدة من يعتقدون أن جوهر الصراعات الاجتماعية والسياسية لا يخرج عن الصراع الطبيقي كمقولة ماركسية إجرائية، اللهم إلا إذا كانوا منخرطين ضمن أجندات مناهضة للوطن، تحت أي مسمى كان كالأممية التي لا تعرف الوطن ولا تعترف به أو هم ليسوا غير جزء من القوى الخارجية التي تحارب الوطن لكنها من الداخل، هذه المرة، باعتبارها طابورًا خامسًا للأجنبي.

فهل خفي عليك كوننا لم نخرج بعد من مرحلة التحرر الوطني واستكمال الاستقلال الجغرافي والسياسي بالتبعية. هل تعتبر الأراضي المغربية التي ترزح، إلى حد الآن تحت نير الاحتلال المباشر، كفت عن أن تكون مغربية بمجرد تقادم الاحتلال أو حتى لوجود نزعة انفصالية لدى هذه الفئة أو تلك من المواطنين لهذه الأسباب أو تلك؟

انظر إلى العالم من حولك، انظر إليه بعين فاحصة قارئة للأحداث وما تدل عليه أو تؤشر عليه وحاول أن تفهم الصراعات التي تخترقه في أبعادها المختلفة فسترى أنها أيضا، وربما أساسًا، ذات بعد وطني أو قومي سواء عبر عن نفسه في بداية النزاع أو خلاله أو نتيجة عنه.

إن استغلال النزاعات من قبل طبقات وشرائح المجتمع المنظمة لتصب في مصلحتها حقيقة ليس بإمكانها اختزال كل أبعاد تلك الصراعات والنزاعات. وكل خطأ في تقدير هذا الأمر يؤدي إلى تناسل الأخطاء التي تفقد المرء البوصلة في نهاية المطاف. وحينئذ يصبح فريسة لكل الإيديولوجيات بما فيها تلك التي يعتقد أنه راغب أو قادر على التحرر منها.

لنكن عمليين إذن، ونحاول الإجابة على هذه الأسئلة الحيوية في المسألة الوطنية.

إذا كانت الشوفينية مناهضة للوطنية الحقة أو نوعا من الانحراف عنها، فكيف يمكن قياس الأمر وتحديد العوامل التي تعتمد في تقدير هذه وتلك؟

إذا كان العامل الطبقي يحظى بالأولوية على العامل الوطني في مختلف المجالات، فكيف يمكن بناء المجال المشترك للتعايش بين فئات المجتمع؟ أم يتعين على المرء السعي إلى بناء كيانات خاصة لكل طبقة على حدة؟ وكيف يمكن تحديد طبيعة الصراع بين هذه الكيانات الافتراضية؟ إذا لم يكن صراعًا دائمًا مفتوحًا على الدمار وتقويض أسس العيش المشترك بين مكونات الشعب الواحد وبين الوحدات الوطنية المتولدة عن الذهاب بهذا المنطق إلى نهاياته القصوى.

فهم صديقي من ردي أنني غير راغب في مواصلة الحوار فلم يجب على أي من هذه التساؤلات وافترقنا وقد تستأنف الحديث معًا حول القضية الوطنية في جلسة دردشة أخرى عندما تتاح لنا الظروف عقدها وأتمنى أن يكون ذلك في أقرب الآجال.

خواطر سياسية١ حول القضية الوطنيةحسن السوسي لامني صديق عزيز، في إحدى جلساتنا الدورية الخاصة للدردشة حول بعض القضايا…

Publiée par Hassan Soussi sur Mercredi 29 janvier 2020

لندن 30 يناير 2020 

اضف رد