panneau publicitaire maroc decoupe laser casablanca imprimerie casablanca imprimerie casablanca imprimerie maroc objet publicitaire maroc

الأمير هشام العلوي..من الجزائر إلى السودان: الهزات الارتدادية للربيع العربي

الأمير هشام العلوي

يدرك علماء الزلازل تمامًا هذه الظاهرة: غالبًا ما تتسبب الهزات الارتدادية في أضرار أكثر من الزلازل التي تسبقها. تسبب “الربيع العربي” 2011-2012 في تصدعات عميقة في الأنظمة الاستبدادية التي تحكم المنطقة ، مما يدل على قوة الحركات الشعبية عندما تكسر جدار الخوف. في عام 2019 ، وقعت أكبر هزة ارتدادية ، مع موجة من الاحتجاجات التي هزت العديد من الأنظمة في المنطقة ويبدو أن الاضطرابات الحالية في الجزائر ومصر والعراق والأردن ولبنان والسودان هي التجليات  المنطقية  لـ “الربيع العربي”.

وهذا يثبت مرة أخرى أن المجتمعات المعنية، التي لا تزال تواجه ظلما اقتصاديا وسياسيا، ترفض الاستسلام. وبطبيعة الحال، لا يزال خصومهم – الأنظمة الاستبدادية – مصممين أيضاً على الاحتفاظ بالسلطة ويحاولون التكيف مع الاحتجاجات من أجل البقاء وربما هي غريزة البقاء .

لم تتغير المعطيات البنيوية منذ انتفاضات 2011-2012، وهذا ما يؤدي إلى هزات ارتدادية. وأول هذه المعطيات فئة الشباب. إن ثلث السكان تقل أعمارهم عن 15 سنة، وثلث آخر تتراوح أعمارهم بين 15 و 29 سنة. على مدى العقد الماضي، شهد العالم العربي جَيْله الأصغر سناً، وهو الأكثر أهمية من الناحية السكانية والأكثر تعليماً، يبلغ سن الرشدً. وتتميز هذه الفئة العمرية أيضا  بانغماسها العميق في وسائل التواصل الاجتماعي وإتقانها للتقنيات عبر الإنترنت.

والثابت الثاني من المعطيات ذو طبيعة اقتصادية. لا تزال تنمية المنطقة هزيلة. وخارج الممالك الخليجية الغنية، تفاقمت معدلات البطالة والفقر في معظم البلدان، ووفقاً للبنك الدولي، فإن 27% من الشباب العربي عاطلون عن العمل، أي أكثر من أي منطقة أخرى في العالم (1). وقد بلغت الرغبة في الهجرة، لأسباب اقتصادية أساسا، مستويات عالية تاريخيا. وفي أحدث تقرير عن مؤسسة عرب باروميتر  Arab Barometer  فإن  ثلث أو أكثر ممن تمت مقابلتهم في الجزائر والعراق والأردن والمغرب والسودان وتونس يريدون مغادرة بلادهم. في المغرب، 70% من الذين يتراوح سنهم بين 18 و29 سنة يحلمون بالرحيل. و أمام هذا الواقع المأساوي لا تفعل الحكومات شيئا لوقف هذا النزيف والنتيجة هي أن هؤلاء الشباب ليس لهم أفق غير الاحتجاج على وضعهم المادي.

أنظمة الحكم التي تعاند وتعاند

هناك سبب ثالث رئيسي يأجج الاستياء العام وهو عدم إحراز تقدم في طريقة الحكم. وقد أدى غياب السياسات والممارسات الديمقراطية، باستثناء تونس، إلى زيادة تهميش السكان. ويرى العديد من المواطنين أن الفساد متأصل في البلاد  وأن فرص العثور على عمل أو الاستفادة من الخدمات الفعالة لا يكون إلا من  خلال تقديم  الخدمات والانخراط في شبكات الزبونية، على حساب التميز والاستحقاق ، وإذا ما  ظلت البنيات الحالية على حالها ، فإن المشهد الاحتجاجي قد يشمل توجهات جديدة غير مألوفة.

 أولاً، فهمت الحركات الشعبية أن الإطاحة بالزعيم وحدها لا تضمن تغيير النظام، خاصة إذا كانت الأجهزة العسكرية والأمنية تحتفظ بصلاحياتها ونفوذها وإذا كانت قواعد اللعبة السياسية لا تتغير.

وبالتالي، فإن المتظاهرين لا يطالبون بانتخابات تنظم على عجل. يريد الناشطون الجزائريون والسودانيون تجنب أخطاء الثورة المصرية في 2011 ويطالبون بتفكيك جميع مكونات النظام الاستبدادي. كما أن المحتجين أضحوا اليوم أكثر وعياً بإيجابيات وسلبيات تكنولوجيا المعلومات.

في الماضي، كانت الشبكات الاجتماعية قادرة على التحايل على الرقابة والإفلات من قمع الدولة، أما اليوم، فإنها تسمح  أيضاً بالتعبير عن الالتزام السياسي ومقاومة الدولة ولو مقاومة افتراضية ولكنها مستمرة  من خلال الإبداعات الفنية أو السخرية أو النقد الشديد الذي يهدف إلى نزع الشرعية عن القادة والمؤسسات. يتطور هذا النوع من المعارضة بشكل خاص في الجزائر ولبنان، حيث لم تنس الحركات الاحتجاجية النزول إلى الشوارع، لكنها تؤثر أيضاً على البلدان التي ينظر إليها الغرب على أنها أكثر هدوءاً، مثل المغرب والأردن.

لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي في العالم العربي من وسيلة للهروب من الواقع إلى ساحة معركة بين الدولة وجزء من المجتمع. ومن سوء حظ المحتجين أن الحكومة تستخدم بدورها الإنترنت وشبكاتها لنشر دعايتها واستهداف المعارضين الأكثر نشاطاً ثم قمعهم.

وأخيراً، ابتعد الناشطون أكثر عن الأيديولوجيات. لقد عرف  “الربيع العربي” بالفعل خيبة أمل وإهمالا لكل تلك  “الشعارات ” الرنانة السابقة مثل  العروبة، والإسلاموية، والاشتراكية، والقومية.

وكما لم تعد الحركات الجماهيرية حساسة للوعود الطوباوية فقد أصبحت تفضل النضال اليومي لتحسين الحكامة في بلدانها. وقد عززت الهزة الارتدادية لزلزال 2011-2012 هذا التطور من خلال وضع حد للعقيدة الفلسفية حول الديمقراطية. إن ما تطلبه قوى المعارضة أولاً هو تفكيك كل هياكل الاقتصاد السياسي القديم التي تولد عدم المساواة والظلم كما تلعب المرأة دوراً أكثر مركزية في هذه الحركات الشعبية الجديدة، وهو ما يعني أن  النقد الجذري للنظام الحاكم القديم يستهدف أيضاً المنظومة الاجتماعية الأبوية.

كما تعلمت الأنظمة الاستبدادية من أحداث العشر سنوات الماضية  وقد أظهرت مصائر الرئيس السابق زين العابدين بن علي في تونس ونظيره علي عبد الله صالح في اليمن أن التظاهر باستعمال  المناورات الديمقراطية أمر لا يخلو ومن خطورة. وعندما تهاجم الحركات الشعبية النظام الحاكم فإن الاستراتيجية الرابحة للقوى في السلطة لم تعد تتسامح مع المعارضة على أمل أن يوفر لها هذا التعهد بحسن النية مزيدا من الوقت. إن الاستجابة العقلانية من الحكومات حسب منطقها  الآن هي الاستمرار في القمع. إن محنة المنشقين السعوديين المنفيين ترمز إلى اللجوء إلى المناهج  المتطرفة.

الموظفة  في مواجهة كل ما  يشكل تهديدا. وقد تعزز استخدام هذا العنف بالاعتماد على فكرة أكثر سخرية: الأنظمة مطمئنة إلى الإفلات من العقاب. قد ينتقد “المجتمع الدولي” انتهاكات حقوق الإنسان: فالقوى الأجنبية لا تزعجها الطريقة التي تعامل بها الدول العربية معارضيها  الديمقراطيين . وبما أنه  حليف للدول الغربية ، لم يحاسَب نظام المشير المصري والرئيس عبد الفتاح السيسي سواء على الإطاحة بحكومة منتخبة أو قتل عدة مئات من الأشخاص خلال المظاهرات في ميدان رابعة العدوية في القاهرة في صيف  2013  ولا بشأن الوفاة المشبوهة للرئيس السابق محمد مرسي أثناء محاكمته في يونيو 2019. كما أن اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول (2 أكتوبر 2018) لم يزعزع العلاقات بين الرياض وبقية دول العالم.

في سوريا، وعلى الرغم من مذبحة الحرب الأهلية، لا يزال السيد بشار الأسد يحكم. في يناير 2011، تسبب عرض وزيرة الخارجية الفرنسية ميشيل أليو ماري بمساعدة نظام بن علي التونسي في فضيحة أخلاقية . ومن ناحية أخرى، عندما تدعم فرنسا وساطة الأمم المتحدة في ليبيا مع تسليحها في نفس الوقت لقوات المشير خليفة حفتر، فإن الأمر يكاد يمر مر الكرام ولا يلاحظه أحد تقريباً.

 أما السودان فهو حالة خاصة للتعامل مع “الربيع العربي”، وهناك احتمال بأن تمهد المفاوضات السلمية الطريق للديمقراطية، في حين أن الأمر ليس كذلك في الدول الساخنة الأخرى. وتسمح أهمية التعبئة لقادة المعارضة بحشد الرأي العام في الوقت الذي لا يكون فيه للماسكين بالسلطة حماية دولية . لكن السودان يتميز  عن غيره من البلدان العربية بحيوية مجتمعه المدني، ووجود جمعيات  مهنية نشطة جدا، واستعداد الناشطين لاستدراج القادة العسكريين إلى طاولة المفاوضات. وعلى مدى عقود، لم تتردد النقابات العمالية والمنظمات غير الحكومية، وما إلى ذلك، في دخول المجال السياسي. وعلى العكس،  في العراق ولبنان والجزائر، تتميز النسخة الحالية من “الربيع العربي” بـالرغبة العميقة في تطبيق  “ارحل ” من أجل وضع حد لهيمنة النخب السياسية السابقة

لكن هذا المطلب الجذري لا يصاحبه أي جهاز سياسي يسمح بالتعامل مع النظام: فالمتظاهرون يبقون بعيدين عن الساحة السياسية، خوفاً من أن يؤدي أدنى اتصال مع الطبقة الحاكمة إلى فقدانهم المصداقية . وتتميز التعبئة أيضا بتنظيم أفقي يحول دون ظهور القادة والمتحدثين الرسميين. وإذا كان ذلك في البداية مكسباً، ولو لمجرد أنه حد من فعالية القمع، فإن غياب قادة الاحتجاج هذا يزيد من صعوبة  الخروج من الأزمة. إن شعار  “ارحل ” يؤدي في بعض الأحيان إلى طريق مسدود. خاصة وأن المحتجين في العديد من البلدان ليس لديهم نفوذ اقتصادي للضغط الكافي على الحكومة..

ويعتمد النظامان الجزائري والعراقي على صادرات النفط التي تعمل في صناعات غير ساحلية بعيدة اجتماعيا وجغرافيا عن المجتمع. لا يمكن للحراك (الحركات الشعبية) في هذه البلدان أن تعمل على تغيير القلب الاقتصادي النابض للنظام الحاكم ، فالحركات الشعبية والأنظمة الاستبدادية توجد في طريق مسدود، لكن المستقبل سينتصر للأولى.

وإلى جانب الدروس المستفادة من “الربيع العربي” من قبل الأنظمة والمعارضات، تغير المشهد الطائفي والوضع الجيوسياسي بشكل كبير. لم تعد الصدامات الحالية بين السلطات ومجتمعاتها جزءاً من التنافس بين الأنظمة السنية المعادية للثورة، التي تجسدها بشكل خاص بعض الممالك الخليجية، والمعسكر الإيراني. من أجل وقف الزخم المتنازع عليه في الفترة 2011-2012، تعمدت الكتلة المناهضة للثورة بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على خيار تأجيج الصراعات الطائفية على أمل تفتيت المجتمعات والخلط بين أي معارضة ديمقراطية والمعسكر الإيراني وقد ساهمت طهران وحلفاءها – حزب الله اللبناني ونظام الأسد وميليشيات الحوثي (في اليمن) والعراق – بشكل كبير في هذا الانقسام: كانت الشوفينية السنية التي روجت لها الرياض وأبو ظبي هي رد فعل في الوقت المناسب للتأثير وتبرير الدعم للأطراف المنحازة إلى المعسكر الشيعي. …

حدود التأثير السعودي

ها هي هذه الاستراتيجيات الإقليمية الآن قد فشلت. داخل المحور الإيراني، فقدت الرواية الطائفية جاذبيتها لدى النشطاء الشباب. في لبنان والعراق، لا ينجو من  “ارحل”  أي تيار طائفي . وفي العراق، لم يتردد المتظاهرون الشيعة في مهاجمة البعثات الدبلوماسية الإيرانية . لقد تغيّر الوضع بالنسبة لطهران، التي أصبحت الآن أمام منافسة مزدوجة، سواء على الصعيد المحلي – مع مظاهرات منتظمة ضد النظام الثيوقراطي – أو في منطقة نفوذها. كما فشلت الحملة المناهضة للثورة التي أطلقتها كتلة الرياض- أبو ظبي. وقد فشلت المساعدات المقدمة إلى بعض القادة العرب في ضمان استقرار نظامهم. في مصر، وعلى الرغم من مساعدة بلدان الخليج المالية ، لم يتمكن الرئيس  السيسي من فرض نموذج جديد للنظام يجمع بقوة بين الاستبداد والتنمية الاقتصادية السريعة والاستقرار السياسي.

بل على العكس من ذلك، تمثل مصر، حيث أصبح الجيش لاعباً رئيسياً يحكم جميع قطاعات الاقتصاد، نموذجاً مضادا  لا تريد أي دولة عربية أن تحاكيه. إن إخفاقات الائتلاف السني تسلط الضوء على حدود النفوذ السعودي. وآخر مثال على ذلك هو عداء العديد من العواصم العربية لـ “صفقة القرن” التي اختلقها  دونالد ترامب لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني (انظر المقال الصفحة 6). وعلى الرغم من جهوده، فشل الأمير محمد بن سلمان في تمرير الإشادة بهذه الخطة التي لا تحقق إلا أحلام اليمين الإسرائيلي. ومن الأمثلة الأخرى على الفشل السعودي الحرب في اليمن، التي أصبحت مستنقعاً له عواقب إنسانية مأساوية، ولم تشهد أي انتصار استراتيجي للرياض. بل على العكس من ذلك، كشفت عن نقاط الضعف العسكرية الذاتية للمملكة  وإخفاقها في قدرتها على إبراز قواتها خارج حدودها.

وأخيراً ، على المستوى المحلي ، فإن الهدف الوطني المتمثل في تنويع الاقتصاد عن طريق الحد من الاعتماد على الهيدروكربونات لا يزال بعيد المنال. لم يؤدِّ إدراج شركة النفط العامة أرامكو في بورصة الرياض في أواخر العام الماضي إلى الحماس المتوقع بين المستثمرين الدوليين.

بل يبدو أن العملية كانت امتدادا ، إلى حد ما ولكن بلطف، لما يسمى بقضية “ريتز كارلتون”، عندما تم احتجاز العديد من الشخصيات السعودية في نوفمبر 2017 في هذا الفندق الكبير في الرياض، ثم تم إطلاق سراحهم مقابل أدائهم مبالغ مالية للخزينة السعودية. وفي ديسمبر  الماضي ، وبعد الكثير من المماطلة بشأن السعر التمهيدي لسهم أرامكو، أرغِم  العديد من المستثمرين السعوديين على شراء حصص من أسهم المجموعة، على حساب أسهمهم الخاصة، التي باعوها  لتمويل هذا الاقتناء. إن افتتاح رأسمال  أرامكو، الذي تم الإعلان عنه بكثير من الدعاية، لا يعكس خصخصة الاقتصاد أو تنويعه، بل يوضح تشديد سيطرة ولي العهد على الاقتصاد السعودي . كما يجب على المعسكر السني  المناهض للثورة أن يأخذ في الحسبان التغيرات الأساسية في الاستراتيجية الجيوسياسية للولايات المتحدة. وباعتبارها قوة عظمى، لم تعد واشنطن تعتبر العالم العربي ذا أهمية كبيرة …

ومع وجود مصادر جديدة للإمداد، يمكن للاقتصاد الأمريكي والأسواق العالمية الرئيسية أن تصمد أمام أي اضطراب في إنتاج النفط في الشرق الأدنى.

وإضافة إلى على ذلك، فإن خصوماً مثل تنظيم الدولة الإسلامية أو إيران لا يشكلون تهديدات وجودية، كما فعلت القاعدة ذات يوم. والرأي العام، الذي ضجر من الصراعات المتكررة في الشرق الأوسط، يرفض عودة الولايات المتحدة إلى التدخل في المنطقة، إلا في حالة الهجوم الإيراني على إسرائيل.

تراجع الهيمنة الأمريكية

من الواضح أن إدارة السيد ترامب تخلت عن دورها كحامية لدول الخليج ضد إيران. وكان اغتيال الجنرال الايراني قاسم سليماني في يناير الماضي مدفوعا اكثر بالرغبة في اظهار حزم واشنطن في مواجهة الاضطرابات العراقية التي هددت السفارة الاميركية في بغداد. وحتى ذلك الحين، رفضت الولايات المتحدة الانخراط في عملية عسكرية مناهضة لإيران، حتى بعد استيلاء الباسدران (حراس الثورة) على ناقلات النفط في الخليج، أو تدمير طائرة أمريكية بدون طيار، أو الهجوم على مصافي النفط السعودية.

وبالمثل، فإن تخلي واشنطن عن حلفائها الأكراد في شمال شرق سوريا وصمتها في مواجهة التدخل العسكري التركي في المنطقة يُظهر إعادة ترتيباتها الاستراتيجية . لقد دخلت الولايات المتحدة مرحلة جاكسونية (8) من سياستها الخارجية، حيث كان الغرض من تدخلاتها الخارجية هو ضمان أمنها الداخلي فقط، وبدون التزامات طويلة الأجل. وهذا التراجع في  الهيمنة الأمريكية يجبر المملكة العربية السعودية وإيران على الإقرار بوضع جديد . تعرف الرياض الآن أن الدعم الأمريكي لم يعد غير مشروط. لا يمكن لطهران تجاهل حدود نفوذها الإقليمي وحدود قدرتها على الإزعاج، لأن الهجوم على المصافي السعودية لم يكن له تأثير يذكر على أسعار الذهب الأسود. ومن المؤكد أن اندلاع التوترات في المنطقة لا يزال ممكناً حول مسألة أمن إسرائيل. ومن الممكن أيضا أن تستمر الاشتباكات المحدودة في تأليب الولايات المتحدة ضد إيران.

وهذا من شأنه أن يساعد على زعزعة استقرار المنطقة، ولكن من دون الوصول، ما لم يحدث أمر طارئ ، إلى حجم  صراع كبير مع معارك مفتوحة بين القوات الأمريكية والإيرانية. ويجري الآن تنظيم النظام الإقليمي الذي حدد  ملامح الشرق الأدنى في عام 2010 وفقا لمنطق جديد. تتراجع المملكة العربية السعودية تدريجياً عن الحظر الذي فرضته على قطر منذ ربيع عام 2017 – وهو أكبر خطأ ارتكبته في السياسة الخارجية منذ جيْل. ومن جانبها، تنسحب الإمارات العربية المتحدة عسكرياً من اليمن. كما أن الرياض وأبو ظبي أصبحتا أكثر استعداداً للتفاوض المباشر مع إيران على أمل تخفيف التوترات الإقليمية.

لكن هذا لا يعني أن السعودية والإمارات ستتخليان عن تقاربهما مع إسرائيل، لأسباب تتعلق أساساً بأمنهما. إن تكنولوجيات الدفاع والمراقبة الإسرائيلية، بما في ذلك تكنولوجيا الحاسوب، لها وزن كبير في هذا الزواج المبني على المصلحة،  كما أن قدرة تل أبيب على توجيه ضربات عسكرية إلى المصالح الإيرانية  ومصالح حلفائها  تدخل أيضا في الاعتبار.

ويتجلى تراجع الهيمنة الأمريكية أيضاً في “صفقة القرن” التي اقترحها السيد ترامب في يناير الماضي. لطالما دعمت الولايات المتحدة الحكومة الإسرائيلية. لكن اقتراحها هذه المرة يبرز أنها تخلت  تماماً عن لعب كوميديا الوساطة بين الطرفين من أجل السماح لليمين الإسرائيلي بتصفية الملف. وقد أصبحت المملكة العربية السعودية وشركاؤها الإقليميون من جهة، وإيران من جهة أخرى  على وعي بمحدودية استراتيجية الحبل المشدود في الخليج والطبيعة غير المنطقية للصراع الكامن بينهم في المنطقة.

وتتنازع هذه الأطراف الفاعلة الآن في أماكن أخرى، ويتم التعبير عن تنافسها الجيوسياسي في شرق البحر الأبيض المتوسط. وهنا يتشكل تحالفان جديدان. فمن ناحية، هناك مصر وإسرائيل وقبرص واليونان، التي يفسر وجودها البحري وتعاونها العسكري المتزايد بمصالحها المشتركة في استغلال احتياطيات الغاز الطبيعي البحرية.

وفي مواجهة هذه الكتلة، هناك قطر وتركيا والحكومة الليبية التي تتخذ من طرابلس مقراً لها. وفي هذا التشكيل، أصبحت ليبيا الآن منتزعة من المغرب الكبير  لتنضم إلى ساحة بلدان المشرق، حيث يتم التعبير عن الصراع بين هاتين الكتلتين بالوكالة. وقد أصبح هذا البلد، الذي يعاني من حرب أهلية تشارك فيها عدة  أطراف ، مسرحا للفوضى حيث يتصرف المرتزقة الأجانب والطائرات بدون طيار على الخطوط الأمامية بينما تدعم القوى الخارجية علناً هذا الجانب أو ذاك. من نواح كثيرة، قد تكون ليبيا الضحية الرئيسية لإعادة التحديد المستمر للمنافسات الجيوسياسية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وفي إعادة التشكيل هذه، تمثل روسيا حالة خاصة.

إنها حاضرة في سوريا بجانب النظام  وفي  ليبيا تشتغل  بدوافع مضادة للثورة، ولكن هذه ليست استراتيجية عالمية. وبالنسبة لموسكو، فإن بعض الأنظمة الاستبدادية هي قبل كل شيء مجموعة من الحلفاء الذين  يخدمون مصالحها في ظروف محددة. كما يشمل نطاق التدخل  الروسي عمليات عسكرية منخفضة التكلفة ولكنها فعالة للغاية، والتي تتطلب قواعد صغيرة وغالباً ما ينخرط فيها  شركاء من القطاع الخاص.

نجحت شركة فاغنر العسكرية حيث فشلت بلاك ووتر الأمريكية، وامتدت عملياتها من سوريا إلى جمهورية أفريقيا الوسطى. وليس لدى موسكو رؤية طويلة الأمد للنظام الإقليمي وتغتنم فرص الصراعات القائمة، التي تتيح لها الفرصة لجني فوائد جيوسياسية بتكلفة أقل. وبالتالي فإن الرؤية الروسية تكتيكية وليست استراتيجية.

وهم النموذج الملكي

في السودان، وصلت جميع الحركات الاحتجاجية إلى طريق مسدود. وهذا يبرز السؤال المعتاد: هل ستكون الأنظمة الملكية الحل المثالي للاستقرار السياسي؟ وقد أثيرت هذه المسألة بالفعل في أوائل سنوات 2010 بعد سقوط الرئيس التونسي بن علي وسقوط نظيره المصري حسني مبارك. والفكرة هي أن  الأنظمة الملكية تتوفر على شرعية أكبر بسبب جذورها الثقافية والاجتماعية العميقة في المجتمع. كما أنها  أكثر قدرة على التحكيم في النزاعات وضمان قيادة البلاد أثناء الأزمات، وذلك بسبب مرونتها  كمؤسسات سياسية قادرة على الترفع عن الصراعات الحزبية.

على عكس المملكات والإمارات الخليجية، حيث العمل السياسي محدود، باستثناء الكويت، التي يوجد فيها  برلمان منتخب، فإن  المغرب والأردن، وهما بلدان تجري فيهما الانتخابات البرلمانية، لطالما روجا لإقامة أنظمة ملكية في العالم العربي لأنها تجمع بين سلطة ملكية نشطة وأحزاب سياسية مختلفة، ادعى بعضها أنه من المعارضة ولكنه لم يذهب إلى حد التشكيك في شرعية النظام الملكي. ولكن في السنوات الأخيرة، ظل أسلوب الحكم دون تغيير. ولم يستطع النظام المغربي  الملكي ولا ابن عمه الهاشمي إظهار قدرته على التعامل بمرونة التي  سمحت لهما في الماضي  بتجاوز الأزمات، لا سيما من خلال التعاون مع بعض قوى المعارضة.

وفي الأردن، أثّر وجود ما يقرب من مليون لاجئ سوري في المملكة والمخاوف من المأزق الفلسطيني على هامش المناورة المتاح للمعارضة ولكن لا يعرف  المغرب أي تهديد خارجي من هذا القبيل. وفي المقابل، تعلم المتظاهرون بتضحياتهم أن تحدي النظام الملكي هو خط  لا ينبغي تجاوزه.

وما داموا يمتنعون عن ذلك، فإن الأنظمة الملكية تستطيع التكيف مع عاداتها المحافظة القديمة وإدامتها. ولاستخدام الاستعارة الاقتصادية، فإن المنتج الذي يستفيد من احتكار في السوق لا يمكن أبداً أن يتغير؛  ولكن إذا ظهر منتوج منافس، فهو يتطور ليبقى على قيد الحياة. وعلى هذا المنوال، في المغرب، يتجاوز المحتجون الآن الحدود التي وضعوها لأنفسهم بانتقاد  النظام الملكي والكَفّ عن تقديسه. ويجري بالفعل التعبير عن شعور معارض للملكية. وبمجرد أن يصبح الوضع الراهن غير قابل للاستمرار، فإن السؤال المطروح على الملكية  سوف يكون كيف يمكن  استخدام ما تبقى من شرعيتها ومواردها السياسية لقطع الطريق على التيارات الجمهورية.

مؤسس مركز ابحاث العلوم الاجتماعية حول شمال افريقيا والشرق الاوسط

 

مصدر المقال : https://www.raialyoum.com/index.php/هشام-بن-عبد-الله-من-الجزائر-إلى-السودان/?fbclid=IwAR3R8HkQfEzHzIBnaZGM0GRMVGmz1jSq9HMGlX1Mj9uJGlYbxiEtMGYm9aY

 

اضف رد