panneau publicitaire maroc decoupe laser casablanca imprimerie casablanca imprimerie casablanca imprimerie maroc objet publicitaire maroc

“تطور استعمال الكِمامة عبر التاريخ”

محمد أعزوز

قد يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: متى استعمل الإنسان الكِمامات أو الأقنعة لأول مرة؟ و ما الدافع من استخدامه لها؟ و كيف كان شكل الكمامات الأولى؟ سأحاول في هذا المقال الإجابة على هذه الاسئلة، و سنرى ان استعمال الكمامات ليس حديثا، و سأسرد مراحل تطور استعمال الكمامة عبر التاريخ، وصولا إلى يومنا هذا الذي نشهد فيه ارتفاع حالات الإصابة بكوفيد-19 في العالم، حيث أصبح ارتداء الكمامة ضروري و إلزامي في العديد من الدول، كإجراء للوقاية من العدوى. و يبدو من الواضح أن الكمامة أصبحت  “الإكسسوار” الذي سيميز سنة 2020، في كل أنحاء العالم. 

يعود ظهور الكمامات أو الأقنعة الواقية الأولى إلى القرن الأول الميلاد، في عهد الإمبراطورية الرومانية منذ أكثر من 2000  عام، و كانت تصنع من المثانة الحيوانية، و تستخدم في أوراش العمل و في المناجم للحماية من أكسيد الرصاص الأحمر.

وفي القرن الثالث عشر، يروي المستكشف الإيطالي، ماركو بولو عند زيارته للصين، أن الخدم و رجال البلاط كانوا يغطون أنوفهم و أفواههم بقماش من خيوط الحرير و الذهب عند تقديم الطعام للإمبراطور الصيني.

في القرن السادس عشر، قام ليوناردو دافنشي باقتراح استخدام قطعة قماش مبللة بالماء لتوضع فوق أفواه البحارة لحمايتهم من سلاح كيميائي في المعارك البحرية، كان قد اخترعه هو نفسه.

تميزت الفترة بين القرنين الرابع عشر و الثامن عشر بالعديد من أوبئة الطاعون التي هزت أوروبا، فمنذ منتصف القرن الرابع عشر عاد “الطاعون الأسود” في عدة مناسبات ليصيب أوروبا، فكانت الحاجة تستدعي وضع الكِمامة.

و كما يتضح من بعض لوحات عصر النهضة،  كانت الكمامات البدائية مستخدمة لحماية الأنف و الفم، مصنوعة من القماش، و لم تكن سوى مناديل تحمي من استنشاق الهواء الملوث، الذي كان يُعتقد أنه سبب انتقال العدوى.

ابتكر الطبيب شارل دو لورم Charles de Lorme ، الذي كان يعمل في بلاط لويس الرابع عشر، قناعا أثناء انتشار وباء الطاعون عام 1619 ل”أطباء الطاعون” ، الذين كانوا كذلك يقومون بإحصاء المصابين بالعدوى، من خلال تشخيص ضحايا الطاعون. و للقيام بذلك في مأمن من الإصابة بالعدوى، كان  من الضروري إتخاذ سبل الوقاية،  لهذا السبب نصح الطبيب تشارلز دو لورم “أطباء الطاعون” باستخدام الأقنعة الأولى مع  “مرشح” لحماية أنفسهم من االعدوى.

ارتدى أطباء الطاعون عباءة تصل إلى القدمين مصنوعة من جلد الماعز أو من قماش مطلي بالشمع، مع كمامة بفوهة ثنائية تسمح بالتنفس على شكل منقار طويل، مليئة بالنباتات العطرية و الورد و الخزامى و الزعتر و الثوم و المر و القرنفل، و أحيانًا الإسفنج المنقوع في الخل، و بقيت عيون الأطباء محمية بفضل وجود عدسات زجاجية. بالإضافة إلى قفازات و قبعة و عصا كانوا يفحصون بها المريض و يقيسون نبضه و يزيلون بها ملابسه من مسافة آمنة.

و بحلول عام 1636 أثبت زي الأطباء الذي اخترعه الطبيب الفرنسي شارل دو لورم فعاليته و تم استخدامه أثناء اجتياح الطاعون، الذي قتل ما يقارب نصف مليون في روما و نابولي عام 1656.

و كان ذلك الزي الذي يرتديه أطباء الطاعون و الذي يشبه الغراب، يثير الرعب عند رؤيته لأنه كان يعني بأن الموت قريب، لذلك كان الناس يتشاءمون عند رؤيتهم و يفرون منهم.

في القرن التاسع عشر و بعد استخدام المجهر، انتشرت نظريات و اكتشافات عديدة عن الجراثيم، و تواجدها في جزئيات الغبار، حيث توصل لويس باستور Louis Pasteur في عام 1857، إلى نظرية تقول بأن الكائنات الحية الدقيقة التي تسمى جراثيم تسبب الأمراض الجرثومية. فظهرت موضا غطاء الوجه بغطاء شفاف من قماش التل عند نساء الطبقة البورجوازية خوفا من الجراثيم.

في عام 1878، عند تفشي الكوليرا، أوصى الطبيب إجي جيسوب بارتداء أقنعة مصنوعة من القطن للوقاية من العدوى، و منع الجراثيم من الدخول إلى الرئتين. و أوصى الأطباء باستخدام مرشح قطني من القماش المبروم ليغطي الفم و الأنف بشكل كامل.

في عام 1897، وصف الجراح النمساوي يوهان فون ميكوليتش راديكي Johann von Mikulicz Radecki بكمامة جراحية تتكون من طبقة من الشاش؛ و هو قماش رقيق كثير الثقوب مصنوع من القطن أو الحرير.

و ينسب آخرون إلى الجراح الفرنسي بول بيرغر Paul Berger كونه أول من ارتدى قناعًا جراحيًا أثناء عملية جراحية في أكتوبر  1897  في باريس.

و خلال تلك السنوات ، أظهر عالم الصحة الألماني كارل فلوج Carl Flügge (1923-1847)  أن المحادثة العادية يمكن أن تنشر قطرات محملة بالبكتيريا من الأنف و الفم، مما يؤكد الحاجة إلى قناع وجه فعال، و  أدى هذا إلى انتشار الوعي بخطر الرذاذ  كسبب لتسمم الجروح أثناء العمليات الجراحية.

و أصبح ارتداء القناع الجراحي ضرورة من قبل الأطقم الطبية، خصوصا أثناء عمليات الجراحة، لتفادي انتقال الكائنات الحية الدقيقة الموجودة في قطرات الرذاذ من فم و أنف مرتديها.

وفي أوائل القرن العشرين، ظهرت دراسة طبية تؤكد وجوب استخدام الأقنعة أثناء العمليات الجراحية، لكن لم تؤخذ على محمل الجد.

في عام 1905، نشرت عالمة السموم و الأمراض، الطبيبة و الباحثة و الكاتبة الأميركية، أليس هاملتون Alice Hamilton، دراسة في مجلة الجمعية الطبية الأميركية، من بين ما جاء فيها، نسبة البكتيريا التي يتبادلها الأطباء الأصحاء عندما يتحدثون، أو يسعلون، ما دفع الأطباء إلى أخذ الأمر بجدية، والبدء في استعمال الأقنعة أثناء العمليات الجراحية.

في عامي 1910-1911، ضرب وباء الطاعون الرئوي عدة دول بما فيها الصين، و عينت المحكمة الصينية الطبيب “وو لياند” Lien-teh Wu لرئاسة جهود مكافحة الطاعون، فكشف أن المرض ينتشر عن طريق الاتصال الجوي، و طور كمامات يرتديها الطاقم الطبي وعامة الناس. و هي ما يعرف اختصارا FFP1 و FFP2 و  FFP3 ، حيث طور كمامات استوحاها من الأقنعة الجراحية التي رآها في الغرب، خلال فترة دراسته، أكثر صلابة من الشاش و القطن ، و لفها بإحكام حول وجهه ، وأضاف إليها عدة طبقات من القماش لتصفية الاستنشاق. كان اختراعه نقطة تحول، فقد تم إنتاج كمامات الجهاز التنفسي لأعداد هائلة و ساعد في مواجهة انتشار الطاعون.

عامي 1918-1919 و مع ظهور وباء الإنفلونزا الإسبانية، التي انتشرت بسرعة في العالم، و خلفت 50 مليون قتيلاً، حرصت الأطقم الطبية على ارتداء الكمامات لحماية أنفسهم.

و في الولايات المتحدة الأمريكية اتخذت مجموعة من الإجراءات الإحترازية الصارمة، منها قوانين تجبر المواطنين على ارتداء الكِمامات بالأماكن العمومية، و تعاقب المخالفين.

عام 1920، أصبح استخدام الكِمامات المصنوعة من قماش الشاش عاديا، و في عام 1923 كان ثلثي أطباء أمريكا و أوروبا يرتدون الكمامات في غرف العمليات، و في عام 1935 أغلبية الأطباء كانوا يرتدون الكمامات.

و بعد الحرب العالمية الثانية، و بسبب تلوث الهواء جراء الحرب، خاصة في لندن، اعتمد البريطانيون “أقنعة الضباب الدخاني”.

ثم انتقل استعمال الكِمامات إلى الهند و الصين، و العديد من الدول النامية، وأصبحت شائعة بين الناس.

و يعتبر القناع الطبي الشهير N95، هو التسلسل التدريجي للأقنعة التي استخدمت لتنظيف الهواء في الحربين العالميتين الأولى و الثانية. و تم تطويره لاستعماله مع الأمراض التي تنتشر في الهواء، مثل السل، و يبقى أحد عيوبه هو عدم إمكانية التنفس بشكل مريح عند ارتدائه، كما أنه لا يناسب الأطفال، أو أصحاب اللحى، لكن يبقى هو الأمثل في منع انتقال فيروس كورونا المستجد.

حالياً، و مع استمرار جائحة كوفيد-19، واتجاه العالم بالكامل لارتداء الكمامات، تزايد الطلب على الكمامات. و ظهرت الكثير من الأفكار للأقنعة الغير الطبية التي يروج لها تجاريا، مثل الأقنعة النسائية المطرزة، أو المصنوعة يدوياً، أو الأقنعة المصممة للأطفال بشخصيات كرتونية، ليتضح أن عام 2020 سيكون فعلاََ سنة العيش بالكِمامة.

 

 

 

اضف رد