panneau publicitaire maroc decoupe laser casablanca imprimerie casablanca imprimerie casablanca imprimerie maroc objet publicitaire maroc

دراسة نقدية لقصيدة (بغداد) للشاعر زاهد المسعودي

(بغداد) في عيون المسعودي الناقد عبدالباري المالكي

المناجاة تعني الإرتباط والتواصل لأفئدة حرّىٰ تتشوّق لمعشوقها وان بعُدتْ بينهم المسافات وطال عليهم الأمد .

هكذا بدأ شاعرنا القدير المسعودي رسالته لجرحِ سومرَ الذي اتشح به لونا ًوقالباً ، والذي مازال غضاً ندياً ، رسمه لنا لوحةً فنية تأمل فيها القصائدَ وٱزدادت إلتفاتاتُها الى بداية النبع مثل نفَسٍ متقطعٍ يجري ولايتوقف وتقاطرت منه القروح دون دواء يُسعِفُ شاعرَنا .

وشاعرُنا وثيقُ الصلة ببغداد ، فهو اذْ يسترسل في مناجاته دون حذرٍ ، وبهمةٍ بالغة الأثر ، فإنه يُسائلها بلهفةِ خجولٍ ، وحلمٍ ممتدٍ لحلقاتِ عشقٍ بدأتْ ، ولاتنتهي ، فتفتحُ فجرَها اللؤلؤيَّ بوجدانه الصادق ، وألقِها الغائر عبر الأجيال .

وبغداد تعني له ذلك المجالَ الفسيح للآفاق الفكرية والحضارية ، وان اتّشحتْ بسواد لافتاتِها ، وهي تعني له ايضاً الوهجَ الشعري الذي ينتشل منها شاعرُنا أبياته بكؤوس ممهورة خصيصاً له ، فتنتظم حركةُ فكرهِ ووجدانه ، ويصبّ خوالجَه فيها دون عقمِ ضياءٍ محتملٍ ، او عائقِ عجزٍ لمصير لايهديها اشراقاً بهياً.

ويأبى شاعرنا ان يحصر حدودَ بغداد في تلك المدينة المدورة التي بناها المنصور ، او ان يختصرها بتلك الخطوط المرسومة من مدينة الفاو الى مدينة زاخو كما نظن ويظن البعض ، بل ان حدودها تمتد الى اكثر من ذلك ، فهي تمتد في ضمير شاعرنا من اعالي سمرقند الى دون افريقيا ممتدة من الصين الى ما وراء القارة الأميركية من المحيط الهادي ، فلا يحدها بحر ولا جبل ، بل هي حدود اتسعتْ زمناً ، ولغة ،ً وموسيقى ، واستوعبتْ الشعر بطرائقه المميزة ، فاستعار شاعرُنا المسعودي منها حرارةَ نبضهِ وآلياتِ صورهِ متوثباً بحسن النظم وقدرة المجاز ، فيُصبحُ ويُمسي بها ، رَحِبَ الآفاقِ مايحفظه من الضياع ، وما يحفظ وجدانَه من الإندثار ، فهي مابرحتْ تمدُّ جسور الحب ، ومازال فجرها لؤلؤياً عبر الأزمنة والدهور ، تكسو ألوانُها نهرَيها ثياباً نُسِجَتْ خيوطُها من ضياء البدر .

وقد راق لشاعرنا المسعودي ان يغترف من منهلِها رؤيتَه ، بقافيةٍ امتازتْ باسترسالها تواتراً ، طوعاً لا كرهاً ، تحت جاذبية أناملهِ السمراء دون ركاكةٍ تُذكَر .

وترجمةُ شاعرِنا المسعودي تعودُ لألفِ عامٍ ، بات فيها لياليَهُ على ابواب ذلك الجرح السومريّ الذي دار في فلكه حتى اخلصَ له سرَّهُ ، وأَلِفَ له وزنُه في بحر كامل اجتزأه لجودة المحصول فيه ، فأنفق فيه ماأنفق من مشاعره ، وأحيىٰ ما احيىٰ فيه من معانٍ مثل ( سومريّا ، الشناشيل ، الجرم ،دائريّا ، الحب ، صفاء ) وكأنه ينفخ فيها فتخرج من اجداثها سراعاً فتنتشر الحياة في مضامين عباراته في وصيته الأخيرة لبغداده التي إستفهمها انكاراً حول مدى تقبّلهما لفكرة احتواء الردى لهما يوماً ما ، وهو على غير عقيدة من ذلك..

وخلاصة الأمر … ان زاهديةَ شاعرنا جعلتْ منه روحاً سابحةً في أحداق بغدادِه ، جاذبَها أطرافَ متعتهِ ، وٱرتأى تردادَ صورِها ومعالمِها بعناصرَ خلتْ عباراتُها من الحشو والفضول ، وابتعدتْ عن استهلاك صورٍ قد تبدو مترهلةً للوهلة الأولى .

قصيدة ( بغداد )

ناجيتُ جُرحاً سومريّا
                                     لمّا يزلْ غضّاً نَديّا
 
من ألفِ عُمرٍ حولَ عُمري
                                     كالجُرمِ يجريْ دائريّا
 
فسألْتُهُ هلْ منْ دواءٍ
                                     فأعادَ مسألتي أِليّا
 
قلْ ليْ متى بغدادُ تُشفى
                                    لتكونَ بالنجوى حفيّا
 
فأجيبيْ يا بغدادُ جُرحيْ
                                    قوليْ متىْ تَشفينَ هيّا
 
واِلىْ متىْ فيكِ اللياليْ
                                   عُقُمٌ فلا يولِدْنَ ضيّا
 
تَكويْ شناشيلَ الثُكالى
                                    باللافتاتِ السودِ كيّا
 
بغدادُ هلّا من مصيرٍ؟
                                     يُهديكِ أشراقاً بهيّا ؟
 ليعيشَ أهلُكِ في صقاءٍ

                                     مطوينَ ماضي الحقدِ طيّا
 
ويمدُّ للحبِّ جسوراً

                                     تُنهي صِراعاً طائفيّا
.
فنراكِ أذ عُدْتي وعُدْنا

                                     للكونِ فجراً لؤلؤيّا
.
وبليلكِ الالوانُ تَكسو

                                    نهْريكِ جـوّاً شاعريّا
.
ويُطرِّزُ العشْاقُ شِعراً

                                    لكِ مِنْ ضياء البدرِ زيّا
.
مدّي يَداً فالأمرُ اِمّا

                                    تَنجينَ أو نَردى سويّا

اضف رد